مخرج الروائع

الأربعاء 2014/11/26

اعتاد الكثير من الصحفيين ونقاد السينما في الماضي أن يصبّوا اللعنات على المرحوم حسن الإمام، الذي عرف بـ”مخرج الروائع″، وقد أخرج بالفعل عددا من روائع الأفلام المصرية التي لا شك فيها، منها على سبيل المثال فيلم “بين القصرين”، الذي صار مرجعا بصريا مهمّا لرواية نجيب محفوظ الأولى في ثلاثيته الشهيرة، ولو أنتج مثل هذا الفيلم اليوم بنفس ما أتيح للفيلم القديم من إمكانيات، لبلغت كلفته عشرات الملايين من الجنيهات.

كان حسن الإمام قد أصبح المشجب (الشماعة) التي يعلق عليها النقاد والصحفيون، بل والقسم الأعظم من السينمائيين المصريين الشباب أيضا، تدهور مستوى السينما المصرية، وكل أخطاء وخطايا الفيلم المصري المتهم بالإغراق في “الميلودراما”، أو المبالغات الدرامية والقصص الأخلاقية التي تعتمد على الأقدار والمصادفات التي يصعب حدوثها في الواقع.

لكن حسن الإمام كان في الحقيقة، يجيد هذا النوع، وهو نوع “مشروع″ تماما في الدراما وفي السينما، وهناك من المخرجين الموهوبين من يعرف كيف يستخدمه، بحيث يشدّ المشاهدين ويقدّم إليهم رؤيته الخاصة للدنيا، من خلال ذلك العالم الذي يصوّره بشخصياته التي تبدو غريبة، وأحداثه المليئة بالمبالغات، لكنها في النهاية تطرح فلسفته الخاصة، والأهمّ، لغته الخاصة التي يعبّر من خلالها فيجيد التعبير.

وفي السينما العالمية مثلا، هناك مخرج أصبح مشهورا بهذا اللون من الألوان الدرامية السينمائية، هو المخرج الإسباني بيدرو المودوفار، صاحب تلك الميلودرامات التي أعجبت الملايين عبر العالم مثل “كعوب عالية” و”كيكا” و”كل شيء عن أمّي” و”نساء على شفا الانهيار العصبي”، وغير ذلك من أفلام حصل بعضها على الكثير من الجوائز في أهمّ مهرجانات السينما العالمية.

شخصيا لا أعرف مخرجا سينمائيا مثل حسن الإمام تلقى كل هذا الكمّ من الهجوم والانتقادات التي بلغت حدّ تحميله وزر هزيمة 67 بأفلامه، التي اتهمت بكل أنواع الاتهامات مثل “الهروبية” و”التخدير” و”تغييب الوعي” ومغازلة الغرائز”.

لكن حسن الإمام كان وراء اكتشاف الكثير من الممثلين والممثلات الذين تربعوا على قمة التمثيل السينمائي في مصر لسنوات، وأصبحوا من كبار النجوم في العالم العربي.

فقد كان حسن الإمام هو الذي اكتشف مثلا مواهب ممثلين وممثلات مثل حسن يوسف وهند رستم وماجدة الخطيب ونور الشريف وصلاح قابيل وزيزي البدراوي وسميرة أحمد. المشكلة أن لا أحد على استعداد لمراجعة المقولات القديمة، ولا أن يتوقف ويعيد تقييم تلك الأسماء البارزة التي حفرت مسارا متميزا في تاريخ السينما، فلا شك أن حسن الإمام مثله مثل نيازي مصطفى وحسين حلمي المهندس وعزالدين ذوالفقار وغيرهم، في حاجة إلى دراسات نقدية حقيقية عميقة، تتوقف أمام ما قدّموه من إسهامات فنية كبيرة في مختلف جوانب السينما.

ويكفي مثلا أن ندرس علاقة حسن الإمام بالممثل، وكيف كان يدير الممثلين، يدرّبهم ويصقل مواهبهم ويمنحهم الشجاعة والثقة، ليتمكن من استخراج أفضل ما لديهم أمام الكاميرا.

رحم الله حسن الإمام الذي توفي قبل أكثر من ربع قرن، وترك لنا تراثا ما زلنا نعيش عليه دون أن نفكر أبدا في دراسته كما يستحق!

ناقد سينمائي من مصر

16