مخرج تايلندي يستشرف مستقبلا تتقمص فيه الأرواح الآلات

كوراكريت أرونانوندتشاي يتبنى مفاهيم تنتمي إلى سياقات تحاول التحرر من تاريخ الغرب الاستعماري وأنظمته الرأسمالية.
الجمعة 2018/04/06
نفي للمفاهيم التقليديّة المرتبطة بالإنسان وشكله البيولوجيّ

بدأ الفنان التايلندي كوراكريت أرونانوندتشاي التأسيس لعوالمه السينمائيّة عام 2013، حين أنجز شريطه السينمائي “الرسم مع التاريخ في غرفة مملوءة بأناس ذوي أسماء مضحكة”، وهو الجزء الأول من سلسلة تحمل الاسم ذاته، أنجز هذا العام الجزء الرابع منها.

والمميز أن كل واحد من هذه الأشرطة يرافقه معرض تشكيليّ وعرض أداء حي، يحاول عبرها خلق تجربة جمالية وعوالم تتداخل فيها الفنون والتكنولوجيا، كالمعرض الذي ترافق مع الشريط الثالث في قصر طوكيو في باريس عام 2015، يليه معرض عن الشريط الرابع في متحف كايسما في فنلندا.

تحاول سلسلة الأشرطة اختبار علاقة الإنسان مع غيره من الكائنات، ومع التكنولوجيا بوصفها جزءا حيوياً من وجوده وتكوينه الذريّ، ليصبح الفرد كائناً أقرب إلى السايبورغ، يمكن توليد ذاكرته ونقلها عبر معادلات رياضيّة ومصفوفات رقميّة، هذا “الوجود” الجديد ينفي المفاهيم التقليديّة المرتبطة بالإنسان وشكله البيولوجيّ، لتصبح مفاهيم الروح والحياة والموت هشة أمام آلات ذات أرواح وبشر ذوي أرجل روبوتيّة.

للحديث عن تجربة المخرج التايلدني لا بد من مقاربة نظريّة مرتبطة بالمفاهيم التي يحاول ترجمتها بصرياً، فهو يرصد التحولات التي طرأت على الوضعية البشريّة حسب تسمية حنا أرندت، وهي مجموعة الشروط التي أنتجها البشر كي يستطيعوا الاستمرار في حياتهم، معيدين تكوين كوكب الأرض بوصفه وجوداً صرفاً لا بد من “استعماره”، وترى أرندت أن عملية إعادة التكوين هذه ستؤدي إلى دمار البشريّة، خصوصاً بعد القنبلة النووية التي وظّفتها أنظمة هيمنة مصممة لجعل الإنسان دوماً منهمكاً في العمل.

ومع التطور التكنولوجي الهائل الذي نشهده الآن، تتبنى الباحثة الأميركية إليزابيث بوفينيلي مقاربة أرندت السابقة لتوجه انتقاداتها إلى الليبرالية المتأخرة، إذ ترى أن الهيمنة السياسية على التكنولوجيا ساهمت في اغتراب الفرد عن جسده الطبيعي، فهو أسير العمل وأشكاله، وحبيس شروط اصطناعيّة للحياة، بسببها لا يمكن له الاستمرار إلا إن كان عاملاً منهكاً أو ضحية عاجزة بسبب سموم “الأنظمة البيضاء” حسب تعبيرها، لتصبح مفاهيم الطبيعة الصِّرف مجرد حنين وهميّ إلى وضعية كان فيها البشر والأرض في تناغم، حيث لا سيادة لأحد على آخر.

أرونانوندتشاي يحاول أن يصور لنا العالم بوصفه كياناً متناغماً، وبعكس الآراء الأكاديميّة السابقة، لا يرى أن التكنولوجيا ستقضي كلياً على روحانية الشرق ولا العكس، بل كلاهما يتحدان في النهاية لخلق “شروط” جديدة لا سيادة فيها للبشر

من المنطلق السابق يمكن قراءة شريط أرونانوندتشاي الرابع الذي عرض في مهرجان روتردام السينمائيّ، وفيه يحاول أن يجيب عن سؤال “ماذا لو كانت أرواحنا مخزّنة في درونات-Drones؟”، وذلك عبر رؤية يتداخل فيها الماضي والحاضر والمستقبل، وكأنها تحصل الآن، فالموت لا معنى له في عالم مستقبليّ يمكن فيه تخزين الذاكرة ونقلها بين الأجيال، خصوصاً أن هذه الذاكرة موجودة في كل شيء، من الحمض النووي إلى العمل الفنيّ، إذ نرى في بداية الشريط لقطة للبحر، وصوت المخرج يطرح علينا سؤالاً “هل يمكن أن تجد جمالاً في هذا البحر من المعطيات؟”.

الزمن في الشريط ليس خطياً، وبالتالي لا تنتهي الذاكرة بموت أصحابها، كونها تبقى ملتصقة بأرواحهم التي يمكن تخزينها في درون طائر وجعلها حاضرة في أي لحظة، فالمخرج يتبنى مفاهيم تنتمي إلى سياقات تحاول التحرر من تاريخ الغرب الاستعماري وأنظمته الرأسمالية، فالطوطم والأنيمسيم وغيرهما هي التي تحكم تدفق عالمه المستقبليّ، وكل ما نراه من حولنا ليس إلا أشلاء من جسد الإله لا نستطيع فهمها إلا شعراً، وهذا ما ينعكس على الشريط نفسه، كونه أشبه بقصيدة بصريّة، تختلف فيها أشكال السرد ومرجعيّة الصورة التي تنتمي إلى عوالم ما بعد الخراب، إذ تحضر كائنات غرائبيّة، كجرذ يلتقي بإنسان ناج من نهاية العالم (يؤدي دوره المخرج نفسه)، والذي تتداخل الأسلاك مع لحمه البشريّ، في شكل أشبه بسايبورغ هجين، في الوقت ذاته يناجي جدته التي تقمصت روحها دروناً طائراً، فالجسد البشري ليس وحده من يمتلك حق حفظ الذاكرة، ولا يعدّ التجليّ الأسمى لشكلها الماديّ، بل مجرد وعاء لها يمكن استبداله.

يحاول أرونانوندتشاي أن يصور لنا العالم بوصفه كياناً متناغماً، وبعكس الآراء الأكاديميّة السابقة، لا يرى أن التكنولوجيا ستقضي كلياً على روحانية الشرق ولا العكس، بل كلاهما يتحدان في النهاية لخلق “شروط” جديدة لا سيادة فيها للبشر.

16