مخرج سوري يجعل من الضوء أساس الحكي المسرحي

"المنديل" عرض مسرحي راقص من حلم البصر إلى خيبة البصيرة بعد اكتشاف زيف الحياة المعاصرة المليئة بالمواجع والألم.
الأربعاء 2020/07/08
الجمع بين البصري والدرامي

التجديد والابتكار سمتان أساسيتان في كل الفنون، ومسرح الضوء أحد تجليات هذا التمشي الإبداعي في المسرح العالمي، فن حقّق قفزات هائلة من حيث الشكل والمضمون، إلاّ أنه لا يزال يتلمّس خطواته الأولى عربيا، وما عرض “المنديل” لمهندس الإضاءة والمخرج المسرحي بسام حميدي سوى محاولة جريئة منه لترسيخ هذا الفن في بلده.

دمشق – سبق لمصمّم الإضاءة والمخرج السوري بسام حميدي أن قدّم منذ سنتين وعلى مسرح الحمراء بدمشق عرضا مسرحيا ضوئيا حمل عنوان “ضوء القمر”، جاء في شكل مونودراما مسرحية من بطولة ميريانا معلولي. وها هو يعود مرة أخرى ليقدّك على امتداد ثلاث أمسيات متتالية على مسرح دار الأسد للثقافة والفنون (أوبرا دمشق) عرضه الثاني الذي عنونه بـ”المنديل”.

وإن كان عرض “ضوء القمر” تحدّث في سردية حكائية عن فتاة تشعر بالخوف وتبحث عن أمانها الروحي إلى أن تجده في مكان ما بعد رحلة شاقة من العذابات، فإنّ عرض “المنديل” أتى أكثر تعقيدا وتوسعا في مسارات حياة أكثر من شخص واحد.

فنحن أمام رحلة وجدانية عميقة لزوجين مصابين بالعمى، لكنهما مع ذلك يعيشان بسلام ورومانسية في قصرهما الواقع وسط غابة مليئة بالأشجار وأصوات العصافير، وتتلخّص كل أمانيهما في الإبصار، وهو ما يتحقّق لهما في الحلم فيشاهدا العالم الذي نعيشه وحجم المآسي التي نعاني منها جميعا، فيصابان بخيبة أمل.

ومن هناك تتحوّل حياتهما التي كانت مليئة بالألوان، والتي لم يكونا يشاهدانها إلى حياة عديمة الألوان، حيث تزول كل هذه الألوان. عدا الوردة التي تقاوم حالة التصحّر اللوني محافظة على لونها الأحمر. فيتمنيان العودة إلى حياتهما الهادئة الوديعة التي كانا يعيشانها رغم حالة العمى التي يعانيان منها.

العمل يتناول فكرة عميقة وهي الفرق بين البصر والبصيرة. فبطلا المسرحية فقدا البصر لكنهما لم يفقدا البصيرة. وهي التي جعلتهما يعرفان حقيقة الأمور ويكتشفان زيف الحياة المعاصرة المليئة بالمواجع والألم، ممّا جعلهما يخيّران العودة إلى حياتهما السابقة الهانئة والسعيدة، رغم حالة العمى التي يعانيان منها.

عرض "المنديل" يحفل بلوحات فنية متنوعة تجمع بين الرقص والموسيقى عبر دراما بصرية أساسها الإضاءة

عن متابعته في موضوع مسرح الضوء وتقديمه عرضا ثانيا بعد “ضوء القمر” يقول مخرج العرض بسام حميدي لـ”لعرب”، “هذا الفن يستهويني، وأنا بحكم عملي في الإضاءة أحب هذا الشكل المسرحي، لا شك أنه مسرح جديد وصعب، ونحن في هذا النمط المسرحي نقوم بأعمال مركبة فهنالك جانب تقني بالغ التعقيد، ونتعامل فيه بأدق التفاصيل البصرية والزمنية، والتي تعتمد أساسا على سيناريو خاص يوضع لبناء حكاية ما، آخذا بعين الاعتبار خصوصية هذا الشكل المسرحي”.

ويضيف “في دول عالمية يقدّم هذا المسرح كعرض ضوئي حتى دون وجود حوار أو حكاية، معتمدين على تقديم حالة من الإبهار البصري عالية الأداء، وهو توجه مبرّر بحكم التقنيات التكنولوجية المتطورة التي يمتلكها صنّاع هذه النوعية من العروض، لكنني أفضل أن يكون هناك شيء ما يمكن قوله في المسرحية لتكون الفائدة أهم، وهذا ما دفعني في مسرحيتي السابقة والحالية إلى تقديم قصة راهنة تتحدث عن واقعنا اليومي وما نعانيه فيه من آلام”.

تحفل مسرحية “المنديل” بتقديمها لوحات فنية متنوعة تتعدى حالة المشهدية البصرية اللونية ليكون عنصر الرقص عصبا أساسيا في العرض، الأمر الذي يبرّره حميدي بقوله “نص المسرحية يحكي عن علاقة زوجية وأحلام لهما تصل بهما إلى مناطق غاية في التشويق والغرابة، لذلك كان لا بد من حامل ما يوصل هذه الأفكار بالتكامل مع الضوء والموسيقى. ومن ثمة تم تصميم الإضاءة بتموجاتها وتغيراتها بحسب ما يريده سياق الفكرة ومسارها”.

وبدت الموسيقى في العرض مقسمة إلى ثلاث مراحل وثلاثة أمزجة تتلاءم وسياقها الدرامي وفق رحلة بين الفرح والرومانسية ومرحلة العمى، حيث وضع المايسترو نزيه أسعد عبر موسيقاه ما يناسب كل مرحلة وأجواءها وخيالاتها. وهو ما انسحب على الرقص الذي أتى بدوره متناغما مع تطوّر فكرة النص، فالراقصان حملا مهمة إيصال الفكرة إلى الجمهور بالشكل الذي يمكّنهم من فهم منطق النص ومقولته عبر سبع رقصات متتابعة.

وعن تقبّل الجمهور السوري لهذا النوع من المسرح ومتابعته له، يبيّن حميدي أن “هذا النوع من المسرح جديد في سوريا، وحتى الآن العروض التي قدّمت فيه نادرة، لكنه بالتأكيد شكل فني محبب لدى البعض، قد لا يكون مسرح الضوء صاحب قاعدة جماهيرية كبيرة الآن، إلاّ أنه ومع تواتر العمل عليه سيحقّق ذلك ويترسّخ أكثر لدى الأجيال القادمة”.

لوحات فنية متنوعة تتعدى حالة المشهدية البصرية اللونية
لوحات فنية متنوعة تتعدى حالة المشهدية البصرية اللونية

ويعترف المسرحي السوري أن مشكلة هذا النوع من المسرح تكمن في تكاليفه الباهظة، فحجم عمل الغرافيك فيه كبير ومكلف، وهو يحتاج فريقا تقنيا كبيرا ووقتا طويلا في التنفيذ لأنه ينفذ بأجزاء الثانية. ويحتاج إلى جهد مضاعف بين كل المشتغلين فيه للتنسيق بين الضوء والرقص والموسيقى.

ويضيف حميدي “لا شك أنها عملية بالغة الصعوبة، ولكن مع الخبرة والتراكم ستكون الأمور أفضل، عملي الأول ‘ضوء القمر’ استغرق مني خمس سنوات من الجهد، بينما أنجزت ‘المنديل’ في عامين فقط، ولديّ مشروع لاحق قد أنفّذه خلال عام”.

ولا ينكر المخرج السوري أن تقبّل الجمهور لهذه النوعية من العروض بات أفضل مع تعدّد تجاربه، كما أن الداعمين أضحوا أكثر إيمانا بمنجزه، إذ يقول “تبدو الأمور أفضل بالتراكم سواء من ناحية تقبّل الجمهور أو دعم الجهات الرسمية لي، فهذا العمل غامرت في البداية بإنتاجه على نفقتي الخاصة، لكن دار أوبرا دمشق قدّمت لي الكثير من الدعم المادي واللوجستي وكذلك المؤسسة العربية للإعلان التي أحب مسؤولوها المشروع، فقدّمت لي مساهمة مالية قيمة، بحيث تضافرت كل هذه الجهود للوصول بالعرض إلى الجمهور بأحسن حال”.

ومسرحية “المنديل” فكرة وإخراج بسام حميدي، ومن تأليف عبير عودة، أما الأداء الراقص فكان لخاجيك كجه جيان وسماح غانم وتصميم الرقص لنورس عثمان، وقام بالإشراف الدرامي على العمل المخرج المسرحي عروة العربي، أما تصميم الغرافيك والمؤثرات البصرية فكان لأسامة الخضر وأحمد موره لي. وقام محمد كامل بتصميم الديكور، في حين تكفّل بتصميم الإضاءة جواد أبوكرم وتصميم الملابس أحمد منصور وتكفل بهندسة الصوت نضال قسطون.

16