مخرج سوري يسعى إلى تصوير فيلم صوفي عن المسيح

"العرب" تلتقي السينمائي السوري الحلبي المخضرم سمير ذكرى في حوار خاص.
الثلاثاء 2018/11/20
أنا كمخرج سينمائي أقدم مجتمعا وليس شخصا

دمشق – طيلة عقود من اشتغاله في مجال السينما قدّم السينمائي السوري سمير ذكرى أربعة أفلام هامة، تمثل خلاصة مشروعه الفكري إذ يقول “يصنفني نقاد السينما بأنني من قدم مشروعا فكريا في السينما، وهو مشروع يهدف إلى توصيف الوضع العربي الراهن من خلال مجموعة أفلام هي ‘حادثة النصف متر‘ و‘وقائع العام المقبل‘ و‘علاقات عامة‘، والأخير ‘عبدالرحمن الكواكبي‘، نفذت الفيلم الرابع قبل الثالث لأسباب إنتاجية بحتة. وقد هدفت من خلال ذلك إلى تقديم الواقع الراهن للعالم العربي بإشكالياته ومشاكله”.

 

سبعون عاما ونيف مرت من عمره، لكنها لم تفقده الرغبة في المزيد من المعرفة والرغبة في صناعة المزيد من السينما، لم ينغلق على جذره السرياني المسيحي الذي يعتز به، وتحدث عن الثقافة الإسلامية التي يدافع عنها. درس السينما في أهم معاهدها في العالم (فغيك) في الاتحاد السوفييتي السابق، وحقق في رصيده العديد من الأفلام السينمائية في سوريا التي حصدت العديد من الجوائز في مهرجانات سينمائية هامة. إنه سمير ذكرى، السينمائي السوري الحلبي المخضرم.

أربعة أفلام

بداية ذكرى السينمائية كانت من خلال فيلمه “حادثة النصف متر” للكاتب المصري صبري موسى، الذي تحدث عن هزيمة العرب في نكسة يونيو 67، وكيف أن الإنسان العربي نفسه كان مهزوما ومن ثم ظهرت الهزيمة على الجبهة. في الرواية لم تكن حرب 67 موجودة ولكن المخرج أوجدها من خلال تمثله للنص سينمائيا. وعندما نفذ عن الرواية ذاتها تجربة فيلم مصري قال صبري موسى في حوار متلفز “أنا مع التجربة السورية لأنها وإن ذهبت بعيدا في الرواية لكنها ذهبت عميقا فيها”.

 ثم كانت الخطوة الثانية لذكرى في “وقائع العام المقبل” الذي يتحدث عن موسيقي درس التراث الموسيقي الشرقي والغربي، وعاد لوطنه مملوءا بحب أن ينشئ فرقة موسيقية سيمفونية للموسيقى العربية. وقد ألف هذا المشروع الموسيقي، وهي الموسيقى التي عهد ذكرى بتنفيذها للموسيقار اللبناني زياد الرحباني. الذي وضع كونشرتو لآلة العود على مقام النهاوند. هذا الموسيقي الحالم يعمد بعد مشاكل تأسيس الفرقة إلى تأليفها من مجموعة من المعارف والأصدقاء، من عازفين في الملاهي الليلية وكذلك مغنية في ملهى ومتسول مجنون يغني في الباصات ومجموعة من العميان. ويصنع منها فرقته المنشودة.

يقول ذكرى “استخدمت في نهاية هذا الفيلم لقطة طويلة تصور كيف أن آثارنا سيطاح بها وتنهب وتذهب في مهب الريح، وكان في ما يشبه استشرافا للمرحلة التي نحن عليها الآن، وحتى الآن يتصل بي البعض ويؤكدون هذه الفكرة”.

أما عن فيلمه الثالث “علاقات عامة” فيلفت ذكرى إلى أنه يتحدث عن الفساد والسلطة وكيف تعبث بمصائر الناس والوطن وتوظف الناس لقتل بعضهم بعضا، لكن الحياة تستمر رغما عنهم ويرفض الشاب قتل عشيقة صاحب النفوذ فيقوم الشاب بحرق منزل المتسلط ويتركه وحيدا في بقايا بيته المحترق، وهي كناية عن الحريق الذي سيكون بأوطاننا. هذه النهاية حيث الحريق، تحتاج لجواب، جاء في الفيلم الرابع “عبدالرحمن الكواكبي”، المفكر العظيم الذي لم تتحمله المؤسسة الدينية ولا السلطة. واضطهد وقتل وأًحرقت معظم آثاره، هو المفكر الذي يقول إنه “لا بد من الاعتماد على العقل والفكر والعلم”.

يقول المخرج “الحل عندي في هذا المشروع أتى من خلال فيلم ‘عبدالرحمن الكواكبي‘، لم يأت من ماركس أو إنجلز أو سارتر أو غيرهم، بل من خلال مفكر عربي نهضوي شهير وكبير. الذي فصل الدين عن الدولة ودعا إلى الشورى وإعمال العقل. وإضافة إلى هذه الأفلام نفذت أخرى متنوعة مثل ‘حراس الصمت‘ عن الرواية المستوحية لغادة السمان. وكان بودي تنفيذ عديد من الأفلام التي لي فيها سيناريوهات جاهزة مثل المتشائل لأميل حبيبي وكذلك لي سيناريو عن الأزمة السورية الذي جمع بين التطرف والفساد ‘ألف ويلة وويلة‘ وفيه دحض للتطرف من القرآن الكريم نفسه”.

الصوفية والسينما

لم يكن للسينمائي سمير ذكرى، أن يصل لهذا الطموح لولا بيئته الشخصية كما يقول وخاصة والده الذي كان له أثر كبير في رسم خطاه المهنية. يقول عن البداية وأثر العائلة “كنت أقرأ كثيرا، في العاشرة أخذت مسرحية ‘البرجوازي النبيل‘ عن موليير، ترجمتها من الفرنسية للمحكية الحلبية وقدمتها مع زملائي. بعد تخرجي جاؤوا إليّ من معهد ‘فغيك‘. ليسألوني عن البدايات. كان والدي ينقل لي بخبرته الكبيرة معنى الحياة. وكان ينقل لي الحكم والقصص الهادفة التي صادفته خلال سنوات عمره”.

السينما حاملة فكر هام وعظيم لكنها في سوريا تحتاج إلى الكثير من الصالات السينمائية التي تعرض فيها هذه الأفلام

يحمل سمير ذكرى، معاني خاصة في التعايش الديني المسيحي الإسلامي، ويحمل للحركة الصوفية الإسلامية مكانة حب خاصة ويراها أعمق مساحة يلتقي فيها الدينان. لذلك حضر عنها فيلما. يقول في ذلك “كسوري وسرياني مسيحي، أشعر بالفخر بالثقافة الإسلامية التي أعرفها. واسم عائلتي الأساسي هو ‘ذكره‘ بالهاء وليس بالألف المقصورة. التي تعني طقوس مدح الآلهة الوثنية. وهي موجودة منذ ما قبل المسيح في سوريا. في القرن الميلادي الأول صارت ‘ذكره‘ تعني مديح الإله. وكان من العائلة قساوسة منذ القرن الأول الميلادي.

ولنا في المعرة الآن أبناء عمومة وهم مسلمون. لذلك كنت أقول وما زلت إن التعايش الإسلامي المسيحي في سوريا لا نظير له في العالم، كونه في جزء منه يعتمد على جذر واحد”.

ويتابع ذكرى “عندما دخل الإسلام الشام، في القرن السادس الميلادي، كان معظم السكان مسيحيين، وبقوا كذلك حتى القرن الحادي عشر. أي ما يقارب الستة قرون. بمعنى أن الإسلام تعايش مع بلاد عربية وذات أغلبية مسيحية، ولم يكن هنالك مشكلة. يقول الجاحظ في كتابه البيان والتبيين ‘مسلمو بلاد الشام، مسلمون بأخلاق نصرانية‘. وأنا أخجل في العالم الخارجي من أن
أقول إنني مسيحي لأنني أنتمي إلى سوريا التي تحوي كل الأديان. أنا أقدم أفلامي كسوري”.

ويذكر المخرج السوري أنهم في أميركا نظموا مهرجانا عن الأصوات الإسلامية العربية في السينما فاعتبروه هو ويوسف شاهين صوتين إسلاميين. وهذا توجه صحيح. كما يقول، مضيفا “أنا كمخرج سينمائي أقدم مجتمعا وليس شخصا، والمخرج الذي لا يقدم هذه الحالة سيذهب للنسيان. الصوفية الإسلامية فهمت المسيحية فهما عاليا ومجيدا، فالفادي الذي يضحي بنفسه في سبيل البشرية، والله هو روح الكون، وكل جزء من هذا الكون يحمل جزءا من هذه الروح. وأرى أن المذهب الصوفي الإسلامي لو شاع على هذه الحال في تلاقيه مع المسيحية لأنتجنا دينا سيطر على الكون. لكن المتطرفين ذلك الوقت حاصروهم وقاتلوهم”.

وعن مشروع الفيلم الذي ينوي إنجازه يقول سمير ذكرى “طرح علي الأب إلياس زحلاوي أن نصنع فيلما عن السيد المسيح، فرغبت أن نتوجه بعيدا عن الأسلوب التقليدي، فاخترت الصوفية الإسلامية للحديث عنه. أنا كشخص علماني أكنّ تقديرا كبيرا وجليلا للنبي محمد والنبي عيسى عليهما السلام. (المخلص السوري) المسيح ابن الإنسان، هذا هو عنوان الفيلم. تجري أحداثه على امتداد البادية شرقي حلب”.

ويضيف “يتحدث الفيلم بحكاية افتراضية عن رحلة شقاء يعيشها شاب وشابة وهما يواجهان دواعش اليوم، فينتفض لهما المخلص مع أصحابه ليقتلوهم بالصلبان. ثم يأتي من بعيد شيء مبهم أعلام دول أو رسوم ورموز دول لينتهي الفيلم على هذه الحالة. في المشروع مشكلة تمويل، لم نأت بمال
خارجي حتى لا نرتهن له، وكذلك لم نلجأ للجهات العامة حتى لا نخضع لشروطها، نحن مستمرون في العمل عليه وهنالك خطوات جدية في ذلك”.

أما عن ضرورة وجود السينما في حياتنا المعاصرة وكيف يراها كمنبر حياتي يومي يقول ذكرى “السينما حاملة فكر هام وعظيم، لكنها في سوريا تحتاج إلى الكثير من الصالات السينمائية التي تعرض فيها هذه الأفلام”.

15