مخرج مغربي يقتفي خطى الأدباء والمفكرين والفنانين باحثا عن سر الصحراء

المخرج داوود أولاد السيد من المهتمين بتيمة "الصحراء" في أعماله السينمائية وقد اختارها لتكون المحطة المقبلة لتصوير فيلمه الجديد "المرجة الزرقاء".
الثلاثاء 2020/12/01
داوود أولاد السيد: الصحراء لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة فقط

كلميم (المغرب)- منذ الأزل فتنت الصحراء الشعراء والأدباء والمفكرين والفنانين، ولعل أبرز من نستذكرهم من الأدباء المعاصرين الروائي الليبي إبراهيم الكوني الذي قال عن الصحراء “لم يرو لي أحد شيئا غير الصحراء، الصحراء هي الجدة التي ربتني وهي التي روت لي وهي التي دفنت في قلبي سرها ولهذا عندما أتحدث عن الصحراء أشعر بأن الصحراء مسكونة.. أشعر بأنني مسكون بالصحراء، يعني لست أنا من يسكن الصحراء ولكن الصحراء هي التي تسكنني”. ومن هنا نفهم السر من كون جل رواياته تدور في بيئة الصحراء وعوالمها الساحرة.

ولم يتوقف تأثير الصحراء في الأدب، رغم ما لنا في المدونة العربية من شعر وأدب قادم من الصحراء نكاد لا نستطيع الإحاطة به كله لثرائه واتساعه، لكن تأثير هذا الفضاء الساحر امتد إلى الفنون البصرية، فنجد الصحراء مثلا في أعمال الرسام الفرنسي غوستاف غيومي وغيرها من الرسامين، تأثير تواصل إلى اليوم مع السينما وهو ما تثبته تجربة المخرج المغربي داوود أولاد السيد.

"المرجة الزرقاء" فيلم ببعد إنساني وميتافيزيقي وفلسفي هو استمرارية لنهج المخرج في اشتغاله على ثيمة "الصحراء"

يمكننا اعتبار داوود أولاد السيد العاشق الباحث الأبدي عن سر الصحراء ومن المهتمين بتيمة “الصحراء” في أعماله السينمائية، وأخيرا أسرت فضاءات صحراء منطقة أسا في المغرب (إقليم أسا الزاك) المخرج، لتكون المحطة المقبلة لتصوير فيلم جديد اختار له، كمشروع، اسم “المرجة الزرقاء”.

وفي حوار لوكالة المغرب العربي للأنباء، قال المخرج إنه سيتم الشروع في تصوير “المرجة الزرقاء”، وهو مشروع فيلم روائي طويل، في مارس المقبل، بعدة مناطق تبعد عن أسا بنحو 40 كلم، وتحديدا بواد الزاك، وعوينة تركز، وتانوست، والجماعة الترابية تويزكي، ليضاف بذلك هذا الفيلم لفيلمين آخرين لأولاد السيد، يتناولان أيضا تيمة “الصحراء” وهما “طرفاية” و”كلام الصحراء” الذي تم تصويره في صحراء زاكورة ومحاميد الغزلان.

وأوضح داوود أولاد السيد، الذي التقته الوكالة بكلميم في إطار الاستعددات لهذا العمل، أن اختيار منطقة أسا لتصوير هذا العمل الجديد، الذي كان مقترحا تصوير مشاهده بزاكورة، يعود لكون المنطقة تعد فضاء نموذجيا لتصوير مشاهد الفيلم لتوفرها على مؤهلات طبيعية مدهشة، مشيرا إلى أن تصوير هذه المشاهد في مارس أو أبريل المقبلين يأتي لكون الظروف الطبيعية تكون في تلك الفترة ملائمة للتصوير كما أن الإضاءة الطبيعية تكون جيدة.

ومن شأن تصوير هذا العمل السينمائي بالمنطقة، يقول، تشجيع الاستثمار السينمائي وإبراز الطاقات الشابة والانفتاح على الفضاءات الصحراوية، مما سيجعل من المنطقة وجهة مفضلة لتصوير أفلام أخرى مغربية وأجنبية، لهذا سيكون هذا الفيلم فرصة للتعريف بالمنطقة ليس محليا فقط وإنما أيضا عالميا.

الصحراء عالم المبدعين الثري
الصحراء عالم المبدعين الثري

وعن أسلوب العمل الجديد، قال إن “المرجة الزرقاء” هو استمرارية لنهجه في إنجاز عدد من أفلامه التي يتمحور موضوعها حول تيمة “الصحراء” مثل “كلام الصحراء”، و”طرفاية”، مشيرا إلى جمالية وروعة الفضاءات بأسا كمنطقة تتوفر على مناظر غير موجودة بورزازات وزاكورة، وهي مناظر شبيهة بتلك الموجودة بأفلام  “الويستيرن” الأميركية.

وبعد زيارة لمختلف الفضاءات التصويرية بمنطقة أسا، وقف المخرج على أنها فضاءات طبيعية شبيهة، بالفعل، بفضاءات أفلام “رعاة البقر” التي توظف فيها الخيول، مؤكدا أنه سيتم اللجوء في هذا العمل إلى الجمال عوض الخيول.

وتابع قائلا إن “الفيلم جاهز من حيث كتابة السيناريو والتقطيع الفيلمي وفضاءات التصوير”، ويسعى داوود أولاد السيد إلى إخراجه إلى النور في أقرب وقت، كما أكد أن “إمكاناته متاحة”، داعيا إلى تشجيع هذا العمل ودعمه وبذل الجهود من طرف كل المتدخلين والمعنيين والغيورين على جهة كلميم وادنون من أجل إبراز ما تزخر به المنطقة من مناظر خلابة وساحرة وإرث ثقافي عريق.

ويحكي العمل، المستوحى من قصة حقيقية عاشها المخرج، قصة رحلة يقوم بها جد رفقة حفيده (10 سنوات فقد والديه) على متن جمل لاكتشاف الصحراء، منطلقها منطقة أسا نحو بحيرة اسمها “المرجة الزرقاء” بالزاك، حيث يروي الجد، طيلة الرحلة، للحفيد قصصا كان حريصا على حكيها قبل أن يموت، ليتمكن من تمرير رسالة جمالية للأجيال القادمة حول أهمية الصحراء وتاريخها وخصوصياتها.

واعتبر المخرج أن السفر بين نقطتين (أسا وبحيرة المرجة الزرقاء) سيكون هو التيمة الأساسية للفيلم، حيث سيحكي الجد لحفيده كل ما يتعلق بهذه المرجة من حيث تاريخها
وقيمتها البيئية والاجتماعية وأيضا كل ما يجري في الصحراء من حيث فضاءاتها وهدوئها. إن الصحراء بالنسبة إلى الطفل فضاء قاحل تغيب فيه وسائل الحياة العصرية، لكن الجد سيفلح خلال هذه الرحلة في إقناع الحفيد بأهمية المرجة والصحراء، ليكتشف الحفيد لدى عودته من الرحلة أن الصحراء تبقى فضاء مميزا لا يقدر على فراقه.

لم يتوقف تأثير الصحراء في الأدب، رغم ما لنا في المدونة العربية من شعر وأدب قادم من الصحراء نكاد لا نستطيع الإحاطة به كله لثرائه واتساعه

إن فيلم “المرجة الزرقاء” يقول المخرج، يحمل مغزى هاما مفاده أن الصحراء “لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة فقط، وإنما أيضا بالقلب باعتبار أن ما نراه بالقلب والإحساس هو أكثر من رؤيتنا للأشياء بالعين المجردة. إنه ليس بفيلم مغامرة بل عمل سينمائي ببعد إنساني وميتافيزيقي وفلسفي”.

وسيسند الدور الرئيسي في الفيلم إلى أحد الممثلين البارزين، فيما سيتم الاعتماد في بقية الأدوار على أبناء المنطقة لتحفيزهم وتشجيعهم، ومنح الفرصة لشباب الجهة لإبراز طاقاتهم.

وكتب سيناريو “المرجة الزرقاء”، وهو عنوان مؤقت لهذا العمل السينمائي، كل من داوود أولاد السيد والسيناريست الشاب الحسين الشاني والناقد السينمائي عبدالمجيد السداتي مدير مهرجان الفيديو بالدار البيضاء، وهو الفيلم الروائي السابع لأولاد السيد، بعد “باي باي السويرتي” و“عود الريح”، و“طرفاية”، و“في انتظار بازوليني”، و“الجامع”، و“كلام الصحراء”، إضافة إلى أعمال تلفزية.

14