مخزن السلاح

الأربعاء 2017/02/01

لم يكن يدور بخلد جوزيف بونابرت حين قرر تحويل بناية “البرادو” بمدريد من مخزن للسلاح إلى نواة لأحد أهم متاحف العالم أنه يؤسس لمعلمة ستخلد فظائع اغتصابه لعرش غارق في الرومانسيات الكاثوليكية، مثله مثل كل الولاة الطامحين إلى توطين الإمبراطوريات التي لا تغيب عنها الشمس؛ كان متولعا بمنحوتات المرمر والعاج والمعدن التي تبرز فخامة الفن الباروكي، الصادم للذوق قوطي المتزمت، وكانت صلاته باللوحة منطوية على فتنة مؤبدة بالشواهد على امتلاك الأمكنة والأوقات والأهواء، لهذا لم تكن صلته بفرانسيسكو غويا رسام الملك المنفي دون مخاتلة من الطرفين.

سيخص غويا البلاط البونابرتي، وحاشيته المستعمرة لبلده، بأكثر من عمل عابر، قبل أن يؤرخ للمرحلة بعمليه الخالدين: “الثاني من مارس” و”الثالث من مارس” عن انتفاضة “بلاصا مايور” ومواجهتها من قبل العسكر الفرنسي مدعوما بقوات المماليك المصريين، ثم إعدام الثوار بالرصاص في الساحة الأسطورية لمدريد. في اللوحتين معا يبدو سلاح القمع والإعدام هو البطل، مثل المئات من اللوحات الأخرى التي تزدان بها قاعات العرض، وكأنما القصد هو الحفاظ على وظيفة البرادو الأصلية أي “مخزن السلاح”.

في زقاق متفرع عن شارع “البرادو” يفضي إلى أحد مداخل الحديقة الكبرى المواجهة للمتحف الشهير، توجد أشكاك متفرقة لبيع الكتب، شبيهة بتلك الممتدة على ضفاف نهر “السين” بباريس، يمكن أن تجد فيها آخر إصدارات سلسلة “هاري بوتر” جنبا إلى جنب مع آخر طبعات رواية “السيدة بيرفيكتا”، وباستطاعتك أن تمضي الوقت في تقليب الكاتالوغات الصادرة عن مؤسسة “البرادو” قبل أن تلج متاهات المتحف المهلكة، ويمكن أن تعثر في تلك الأكشاك أيضا على العشرات من الصور للوحات الأسلحة والحروب والثورات والإعدامات بمعلومات ناقصة.

كما قد تطالع تأويلات لا حصر لها للوحة “الثاني من مارس” التي لا تبعد عنك سوى بأمتار، لا تقول شيئا إلا الرغبة في تبديد الفهم المباشر والبسيط، ومنها تلك المعلومة الغريبة التي تقول إن غويا أصيب بالصمم بعد كآبة مهلكة انتابته إثر ارتباطه الملتبس ببلاط بونابرت الغازي، حيث يبدو أن الخيال دسم وله نكهة خاصة حين يتعلق الأمر بالقرن التاسع عشر.

كنت قد اقتنيت مختصرا لتاريخ مخزن السلاح مع منوغرافيات زهيدة الثمن، في انتظار زميلي الباحث بجامعة مدريد، قبل أن نلج معا فضاء “البرادو”، لم يكن متحمسا لتلك المقتنيات وأبدى ملاحظات دقيقة جدا على نصوص لا تدعي الدقة مطلقا، قبل أن أصارحه بأن ملاحظاته قد لا تهم ناظرا غريبا تناسبه إلى حد كبير الوثائق الملتبسة التي تترك هوامش للمعنى الخاطئ، فالأثر يحتاج لمزاعم صعبة التصديق أحيانا، شبيهة بتلك التي حاصرت حياة لوحات غويا الثأرية من بونابرت، لتكون مرجعا لإعادة الاعتبار لقصر كئيب كان في يوم ما مخزنا للسلاح.

كاتب من المغرب

15