مخصصات البترودولار تفتح أبواب نزاعات بين المحافظات العراقية

الاثنين 2015/01/26

في صخب الملفات العراقية الكبيرة، مر في الأسبوع الماضي بهدوء خبر موافقة اللجنة المالية في البرلمان على صرف مخصصات البترودولار لمحافظة البصرة، يفترض أن تمنح للمحافظات المنتجة للنفط، ويتباين الحديث عن حجمها بين دولار واحد إلى 5 دولارات لكل برميل.

لا يبدو قرار اللجنة حاسما، فهو يحتاج إلى قرار من البرلمان ومجلس الوزراء لتنفيذه، وهناك معارضون كثر له، خاصة في ظل الأزمة المالية الخانقة وتراجع عوائد الموازنة بنحو 50 بالمئة بسبب تراجع أسعار النفط.

ويعد القرار إحدى التركات الخطيرة لحكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، ويصعب على حكومة حيدر العبادي إهمالها في ظل اتساع مطالب محافظة البصرة لإقامة إقليم، وهي تتطلع إلى السقف المرتفع للاستقلالية التي يتمتع بها إقليم كردستان.

الخطورة تكمن في أن محافظة البصرة تنتج نحو 80 بالمئة من النفط العراقي، وفي ردود فعل المحافظات غير المنتجة للنفط، وما يمكن أن تفتحه من صراعات وتجاذبات للتأثير على صناعة النفط المركزية.

كما أنها يمكن أن تهدد بتقسيم العراق، لأنها ستجعل المحافظات تتنافس على مراكز النفوذ وحدودها الإدارية.

ويعاني العراق من أزمة مالية خانقة بسبب تراجع أسعار النفط وارتفاع تكاليف الحرب ضد داعش، إضافة إلى استشراء الفساد في مفاصل الدولة.

ويبدو مرجحا أن تندفع المحافظات غير المنتجة للمطالبة باستخراج النفط من مناطقها، لتحقيق النمو المتوازن، الأمر الذي يهدد تماسك الصناعة النفطية الوطنية ويضرب وحدة سياساتها وقراراتها.

ويخشى المراقبون من حصول فوضى في صناعة النفط، لأن أنشطة المحافظات تحتاج إلى تنسيق متواصل بين المحافظات المعنية بالمشاريع المترابطة.

ومن المؤكد أن البصرة وبقية المحافظات المنتجة لن تكتفي بالاستفادة من عوائد البترودولار، بل ستطالب بالمشاركة بدور فعال في التفاوض مع الشركات الأجنبية، وتشغيل عدد كبير من أبنائها في عمل الشركات.

كما ستتصاعد المطالب بالمشاركة في كل الدراسات والخطط التي تهدف إلى تطوير الصناعة النفطية. وتدعم البصرة 8 محافظات منتجة للنفط في تلك المطالب.

ومن المرجح أن تزيد عوائد النفط من نفوذ المحافظات سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، من خلال قدرتها المتزايدة على الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري وتمويل تنفيذ مشاريع التنمية.

ويمكن أن يعزز ذلك قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة دون العودة إلى السلطات المركزية في بغداد.

ومن المؤكد أن يحتدم السجال حول توزيع وتوسيع صلاحيات المحافظات لتمكينها من تحقيق التنمية والقضاء تدريجاً على الفقر الذي يعاني منه سكان تلك المحافظات.

كما أن حدود المحافظات غير مقدسة ويمكن أن تستعر المطالب بتغيير حدودها، وسوف لا يقتصر ذلك على المناطق المتنازع عليها بين إقليم كردستان والمحافظات المجاورة، بل سيمتد إلى الكثير من محافظات وسط وجنوب العراق، خاصة إذا تم اكتشاف النفط في بعض المناطق.

ويمكن لبعض المناطق أن تطالب بالانفصال عن بعض المحافظات والانضمام إلى محافظات أخرى، خاصة في حال وجود من يضرم النار لأسباب طائفية، مثل الكثير من الجيوب التي شهدت صراعات منذ عام 2003 وتلك التي شهدت تغييرات في تبعيتها الإدارية في العقود الماضية.

ومن غير المستبعد أن تطالب بعض المناطق في إطار المحافظة الواحدة بحصتها من الثروة المنتجة في أراضيها، خاصة في المحافظات ذات الكتل العرقية والطائفية المتعددة مثل محافظات كركوك والموصل والبصرة، بل حتى مناطق العشائر المختلفة في بعض المحافظات.

فهل تدرك السلطات العراقية حجم المغامرة والصراعات التي يمكن أن تفتحها عندما تخل بفقرة أن الثروة ملك لكل العراقيين، التي ينص عليها الدستور؟

11