مخطوطات قديمة تقود سفيرا مصريا إلى أرض أبيه

الثلاثاء 2017/04/04
لقاء على جسر من الخيال

القاهرة - بين رجل انشغل بهموم وطنه وآخر انغلق على قضيته الشخصية فجوة كبيرة تمتد لمئات السنين لكن الإعلامي والروائي المصري محمود الورواري أقام بينهما جسرا من الخيال فكان لقاؤهما في روايته الأخيرة “خريف البلد الكبير”.

تبدأ الرواية، الصادرة بالقاهرة في 311 صفحة من القطع المتوسط، في وقت ما بعد ثورة 25 يناير 2011 حين يتلقى السفير رشدي الشيخ الذي يتولى منصبا خارج مصر اتصالا هاتفيا أثناء عطلة قصيرة في القاهرة من صديق دراسة قديم، يقتحم حياته بصندوق خشبي يحوي مخطوطات قديمة ويتركه له ثم يرحل.

ولدوافع، لم يقدّم المؤلف الكثير منها للقارئ، يأخذ السفير الصندوق الخشبي ويحمله إلى صديق آخر خبير بالمخطوطات، يعيش في الإسكندرية حتى يفك طلاسم هذه المخطوطات ويكشف ما فيها من حكايات.

يتحمس الخبير لما اعتبره “كنزا أثريا” رغم عدم قدرته على تحديد الفترة الزمنية التي تعود لها هذه الكتابات، فيستدعي صديقا آخر لمساعدته في العمل على تفسيرها مكوّنين فريقا بحثيا متكاملا.

ورغم البداية المستوحاة من عالم الحكايات والأساطير فإن ما تبوح به المخطوطات القديمة يبدو أعمق وأكبر بكثير مما يظهر، مُحمل في طياته بحكايات العظمة والانكسار والخيانة والصمود. حكايات الأمس واليوم والغد التي ما تلبث أن تنتهي حتى تعود لتبدأ من جديد.

تحكي المخطوطات قصة بلد أسسه الشيخ الكبير، وهو البطل الموازي الذي اكتفى المؤلف بمنحه هذا الاسم، رجل كان يتحلى بالحكمة والشجاعة، فأنشأ مع ثلاثة من رفاقه بلدا من العدم يحدّه من الخلف جبلان والبحر من أمامه ليعيش كل من يقصده في أمان ووئام.

يرسم المؤلف ملامح مدينة فاضلة أو “يوتوبيا” من وحي خياله يسميها “البلد الكبير”. وازدهر البلد وقوي وأقام تحالفات تجارية وسياسية مع جيرانه وحتى الأبناء كان لهم نصيب من التفكير والتخطيط فأخذهم الشيخ الكبير إلى “الجزيرة المعزولة” حيث تعلموا وتدربوا وأصبحوا أشداء.

لكن هادي أكبر أبناء الشيخ الكبير وصديقه راغب كانا من الممتنعين عن الذهاب للجزيرة وفي لحظة ضعف من الشيخ الكبير بقيا من دون الأطفال الآخرين.

كبر الصديقان ونبتت فيهما صفات مغايرة لتلك التي زرعها المؤسسون الأولون في أطفال البلد فكانا هما الثغرة التي استغلها الغرباء ونخروا منها في عظام المدينة الفاضلة وأحالوها إلى مدينة الملذات والفساد. ليموت الشيخ الكبير حسرة بعد أن انشغل بالبلد الكبير عن ابنه.

وبالتوازي يتابع المؤلف سرد يوميات بطله الرئيسي السفير رشدي الشيخ، الذي يفقد كل ما بناه طوال حياته خلال أيام معدودات فتعيده وزارة الخارجية إلى العمل الإداري في القاهرة وتطلب زوجته الطلاق، ولا يجد منقذا من هذا إلا شبح حبيبته القديمة فاطمة التي تخلى عنها في شبابه، ليتزوج من ابنة دبلوماسي كبير أدخلته عالمها الارستقراطي وساعدته على القفز سنوات للأمام.

شبح فاطمة ليس إلا ابنتها التي تحمل الاسم ذاته وكثيرا من صفات الحبيبة القديمة، فيتعلق قلب السفير بروح فاطمة الجديدة، رغم فارق السن بينهما، ويحاول إبقاءها بجانبه حتى يتوحد مصيرهما.

وعند نقطة تقاطع بين حكايات الماضي وأحداث الحاضر يقف رشدي الشيخ ليسأل نفسه “كيف أفرّق بين كل هذه الأشياء وبين ما أعيشه فعلا في الواقع؟ أحيانا أشعر أن رأسي يتمدد، أراه أمام عيني يتفتت إلى قطع تتطاير في أرجاء روحي الخاوية، روحي القلقة، المتربصة بي”.

يسترد رشدي الشيخ أرض أبيه التي ضاعت بسبب تراكم الديون للإنفاق على تعليمه ومعها يستردّ جزءا من كرامته واعتزازه بأصله الذي طالما تنكّر له من أجل الانتماء لطبقة اجتماعية مغايرة لطبقته الريفية، ويتحرر من عبء زوجته التي كبحت نقاء روحه، فيبدأ في رحلة تأسيس عالمه الجديد الخالي من الزيف والكذب والخنوع.

وبالوصول إلى النهاية لن تكون دروس الشيخ الكبير وصحوة رشدي الشيخ هما كل ما يفوز به القارئ فعلى امتداد صفحات الرواية يتعمّق المؤلف في وصف شوارع البلد الكبير وأسواقه ومنازله ومتاجره وحتى حقوله وشواطئه مقدّما صورا تفصيلية عن أحوال البلد في قالب جمالي ووصف دقيق.

والرواية الصادرة عن “الدار المصرية اللبنانية” هي الثالثة لمحمود الورواري بعد روايتيه “مدد” و”حالة سقوط” التي اختيرت ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية.

15