"مخلب الفراشة" رحلة عشق لا تكتمل

الشاعر السوري باسم سليمان في سفر شعري لملاحقة أنثى.
الخميس 2019/09/19
محاولة للحاق بامرأة متخيلة (لوحة للفنان صفوان داحول)

إن لعبة الضمائر في الشعر مختلفة عن الضمائر في غيره من سائر أجناس الكتابة، شأنها شأن الأسماء والدوال التي تحركها الاستعارة. فضمير الأنا الذي يرفعه الشاعر ليس بالضرورة ذاته، بل ليس مفردا، وعلى نفس الشاكلة تكون الضمائر الأخرى. فالشعر خطاب لا يقول أكثر مما يقول، وفي لا قوله تتسع عوالم وتتناسل.

صدرت أخيرا في دمشق للشاعر والروائي السوري باسم سليمان عن دار ديلمون الجديدة الطبعة الثانية من ديوان “مخلب الفراشة”، بعد أن كانت المجموعة قد صدرت في طبعة أولى عن دار أوراق في مصر.

على مدى 161 صفحة تعداد صفحات المجموعة الشعرية، نجد الشاعر باسم سليمان متخفيا خلف ضمير الأنا الذي يخفي بدوره شخوصا كثيرين ورؤى كثيرة، توجه كلها في خطاب إلى أنثى متعددة، حاضرة وغائبة.

عناوين نصوص الكتاب طويلة أشبه بجمل مكتملة أو مقاطع شعرية كاملة، منقسمة في داخلها إلى عناصر، مثلا النص الأول جاء بعنوان “القلق الرّضيْع، أثداء النّساء لا تكفيه”، عنوان أشبه بتصدير نجد داخله مونولوجين ومقطعا موسوما بـ“صمت”.

المونولوج الأول يبدأ بتناول الفاليوم المنوم في خطاب إلى أنثى لا تقف حدودها عند امراة بل هي بلاد وأوسع مفاهيميا. ينتهي النص بأن النوم غاب عن الشاعر فيما بقية البلاد منوّمة لتنفتح عيناه في قلق، يقول الشاعر “ازدردَ كلّ النّوم من علبة عينيّ/ وتَرَكَ مقلتيّ بيضاوين كالقلق”.

أما المونولوج الثاني فيواصل فيه الشاعر خطابه إلى امراة ، فيه يحلم الشاعر “يحلم بقراصنة لا يشبهون قراصنة جوني ديب/ بل رسوم المانغا اليابانيّة/ وجزيرة تُبحر كسفينة/ إنْ أُرخيتِ القلوعُ على أشجارها/ القلوعُ التي قدّتْ من ستائركِ المُسْدلة”. يتواصل جو العتمة التي يدخلها الشاعر قلقا ولكنه يقفز فيها إلى الحلم، حلم بالخلاص والتحرر، حلم محفوف بخوف من القراصنة، لكنه رغم ذلك يبحر، رغم أنه جزيرة معزولة، يبحر وهو في مكانه.

الشاعر يواصل حديثه إلى أنثاه المتغيرة دائما، والتي يقرأ لها ما حولها وهي نائمة أو مبتعدة أو مختبئة

وتتواصل العناوين بنفس الطريقة إلى آخر الكتاب نجد مثلا “قلت: عينك قارب أخرق قاعه بدمعة؛ لأنّ امرأة هناك تأخذ البصر غصبا” أو “الحبّ يجري كأرنب والفراق يمشي كسلحفاة؛ هكذا نستمع للقصّة كالأطفال”.

ويواصل الشاعر حديثه إلى أنثاه، أنثاه المتغيرة دائما، والتي  يقرأ لها ما حولها وهي نائمة أو مبتعدة أو مختبئة أو عالية يقول “أقرأ لكِ:/ في الخريف تسقط الأوراق/ في الخريف تصل الرسائل”، رسال يدونها الشاعر في العراء حيث يرى ويدون ويشهد كيف “تمدّ الرّيح ساقيها كلسان أفعى كياسمينة تلقي بعقب عمرها عن كتف الشرفة التي يدلّيها شغف عاشقين”. إنه العشق الذي يترك الشاعر مثل درويش عاريا حافظا للمكان وللناس وللأحداث، مبشرا بما لا تراه عين نائمة أو منوّمة أو بلا ضوء.

حركات الشاعر ونحن نواصل القراءة ليست بخطى ثابتة، لا هو يتحرك إلى الأمام ولا إلى الخلف، بل هو كالطائر يرتفع وينزل ويدور، يقول “أربي اللعنةَ طيرا جارحا/ أطعمه سأمي” ويتابع “أرفعه بيدي راية استسالم/ وأرسله كقلب يهفو لعشقه”، إنها القسوة التي يخرج منها العشق قسوة القلق وقسوة التأمل الذي يتحول إلى سأم جارح مفترس، لكنه يستسلم إلى العشق.

نلاحظ انفتاح النصوص على عناصر من التاريخ ومن خارج الشعر، وخاصة في استحضاره للشخصيات، التي يلبسها أحداثا أخرى من خلال التشابيه أو من خلال استحضارها كاملة، نجد الشاعر مثلا يستحضر شخصيات روائية مثل موبي ديك وهو اسم الحوت في رواية هرمن ملفل وريميدوس وهي شخصية في رواية مئة عام من العزلة لغابرييل غارسيا ماركيز.

كما يستحضر الشاعر شخصيات حقيقية مثل الممثل جوني ديب أو المسرحي الإنكليزي شكسبير أو الكاتب الياباني المنتحر يكيو ميشيما أو الرسام الهولاندي الشهير فان غوخ. ينقلها لتكون دوافع أخرى في رحلته في حب لا ندري إلى أين هو متجه، بين اتجاهاته إلى الداخل، داخل الشاعر، وإلى الخارج.

ويصل الشاعر إلى حدود أن “الحبّ يكلّمه كصديق – الآن – من وراء حجاب”، والآن هنا تلعب دورا إيحائيا هاما هو أشبه بالحلول الصوفي الذي يلعبه الشاعر مع قارئه، كما أنها إيحاء بخطوة ما في الزمن، ما يعطي لرحلته بعدا آخر زمانيا وكأنه نقطة ارتكاز في اضطراب الطريق الحلزوني الصاعد والهابط والمتجه إلى أكثر من جهة في آن واحد.

14