"مخيم اليرموك" الوجه الآخر: ثقافة على هوى الحصار

الأربعاء 2014/04/30
فرقة "شباب اليرموك" الموسيقية تعلن أن المخيم لا يزال بخير

دمشق ــ لمخيم اليرموك المحاصر وجه آخر، وجه لا يبدو عليه الموت جوعا، أو انتظار الفرج. وجه يكسو سحنته إصرار على البقاء، وتعبّر عنه موسيقى الدمار، وتنقله كاميرا لا يعنيها نقل الحدث بقدر التماس الجمال فيه.

يتجلى وجه المخيم هذا بالأنواع الفنية التي ظهرت فيه، حيث لم يمنعها الحصار وسياسة التجويع من التقاط الفن والبحث عن مواطن الجمال في المأساة، فتحوّل الحصار إلى مادة دسمة شكل منها أبناء اليرموك رؤاهم الإبداعية، ووجدوا فيها ضالتهم. “رح نخلي صوت الموسيقى بالمخيم أعلى من صوت الرصاص” بهذه الكلمات البسيطة تعبر فرقة “شباب اليرموك” عن آمالها. شبابها لا يصبون إلى مجد ما، كل ما يريدونه إعلاء الموسيقى على أي صوت آخر، حاملين أداتهم الوحيدة، وهي بيانو يبدو عليه آثار ركام، ينتقلون به بين الدمار ليغنوا للأمل والأرض. إن توسط آلة الموسيقى هذه بين ركام المنازل والذكريات وتجمّع شبان “غير احترافيين” حولها، تخلق صورة مفارقة تحاكي وضع سوريا المنكوبة عامة والمخيم بصورة خاصة.

هنا لن تصدح حناجر هؤلاء بخطاب سياسي يمعن في المغالاة، ولن يحاولوا اجتراح شكل جديد للأغنية العربية. كل ما يريدونه يختزله قولهم “لسا المخيم بخير”.


رسائل حادة


لا تبقي فرقة شباب اليرموك موسيقاها حكرا على أبناء اليرموك المحاصرين، إنما تتحول إلى جسر يلتقي عنده طرفا مأساة المخيم (النزوح والحصار). فحالة الحنين تلك، تشمل علاقة محاصري اليرموك مع المهجرين منه، ما يمنح لهذه الحالة الفنية رسالة إنسانية أيضا، حيث تتحول أغاني الفرقة إلى رسائل حادة اللهجة في وجه تجار الدم في المخيم الذين يرفضون فتح طريق اليرموك وعودة النازحين إليه. تجدر الإشارة هنا إلى بعض الشذرات الموسيقية التي حاكت حال اليرموك، منها على سبيل المثال لا الحصر، راب سامر أبو حشيش، وبعض الأغاني للشاب الفلسطيني محمد نور أحمد (أبو كابي).

الفوتوغراف لم يبق حبيس وظيفتي الإخبار والتوثيق بل تعداهما لرسم حالة فنية تحاكي الحدث

بكونه جزءا من ملايين الصور التي وثقت الحدث السوري، ساهم الفوتوغراف في توثيق أزمة المخيم، محققا بذلك غرض الإخبار، ناقلا صورة الحدث، مساهما بدوره في توثيق أحداث المخيم لحظة إثر لحظة منذ إعلان الحصار عليه. إلا أن الفوتوغراف لم يبق حبيس وظيفتي الإخبار والتوثيق، بل تعداهما لرسم حالة فنية تحاكي الحدث وتلتقط جماليته ومآسيه، وهذا ما يعبر عنه نيراز سعيد (مصور فوتوغرافي) بقوله: “أرى أن الصورة الحقيقية في مخيم اليرموك كانت أصدق من الكلمة، لذلك اخترت أن ألتقط الحالة في مخيم اليرموك من منظور آخر. وهو ما بعد الحدث”.

فصور سعيد لا تقف عند حدود نقل الحدث إنما تتعداه للبحث في ما وراء هذا الحدث من مآسي وآلام. يضيف: “غفل الإعلاميون داخل المخيم عن المعاناة الحقيقية للناس، مثلا طغى عليهم حدث إدخال المعونات إلى المخيم، في الوقت الذي ما زال الكثير من المهمشين يموتون جوعا في بيوتهم، هؤلاء المهمشون هم موضوع صورتي”.
يشرح كلام نيراز هذا صورة له عنوانها “الملوك الثلاثة” تصور ثلاثة أطفال حليقي الرؤوس، باد على محياهم المرض والجفاف، ينظرون إلى طابور استلام المعونات، على وجوههم المتعبة أمارات الضحية العاجزة عن امتلاك لقمة عيش تؤجل موتهم يوما.


وجع المخيم


لا يمكن الحديث عن الحركة الثقافية في مخيم اليرموك بعد الحصار دون ذكر حضور المخيم في وجدان فنانيه النازحين منه. إذ تحوّل المخيم إلى أيقونة مصغرة عن فلسطين الأم، ليحتل بذلك مخيلة الفنانين الفلسطينيين الذين غادروه تحت وقع القصف العشوائي والحصار. فلم تفارق ريشتهم المكان الذي ترعرعت فيه ونمت، مما خلق في فن جلهم حالة حنين لليرموك لا تختلف عن حنين أجدادهم لفلسطين. يتجلى هذا الحنين من خلال لوحات أنس سلامة في جعل المخيم قضيته الوحيدة، إذ شكلت لوحات الفنان الشاب - سيما التي رسمها بالقهوة- سلسلة لوحات تشكيلية ترصد أحداث المخيم بعد النزوح، وما تعرض له من تنكيل وتشويه للمعاني والعمران. كذلك كان المخيم المحور الأساس في رسومات رسام الكاريكاتير الفلسطيني هاني عباس. فصور هاني برسوماته وجع المخيم، وعذاباته اليومية، محولا التفاصيل اليومية إلى مفارقات فنية تنزف أسى وحرقة على المخيم.

في حين ركزت تصميمات معتز موعد على الحصار وآثاره على الفلسطيني والسوري داخل اليرموك، مستفيدا من تقنيات الكمبيوتر في التصميم برصد المعاناة الإنسانية في مخيم اليرموك.

يضاف إلى هؤلاء، النتاج الفني لكل من أيهم حمادة، ويحيى عشماوي، ومعتز العمري وغيرهم من “تجمع فناني فلسطين” الذي دأب بعد خروجه من اليرموك على تصوير حالة المخيم ونقلها إلى العالم عبر الفيسبوك.

يقف اليرموك على أبواب حل قد ينهي أزمته، وهو بمثابة تحدّ جديد أمام هذه البواكير الفنية وتجلياتها في الأدب والموسيقى والسينما، منها من يستمرّ، ومنها ما قد يوقفه ركود الحدث، إلا أنها في الحالتين ستبقى محفورة في تاريخ المخيم، وفي ذاكرة من عاشوا دورة الشتات الثانية.

16