مخيم اليرموك من مركز للثقافة المدنية إلى خيمة محاصرة من الجميع

السبت 2015/10/10
المخيم أرض بناها العرب للاجئين الفلسطينيين تختصر الصراعات وشراء الولاءات

شكل مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين مكانته التاريخية بين مخيمات الشتات الفلسطيني، كشريان للحياة وكقلب نابض للمخيمات والوجود الفلسطيني في سوريا، إذ كان يتمركز فيه الفعل السياسي والمناخ الاجتماعي والاقتصادي والنشاط الثقافي الفلسطيني، والنخبة السياسية والثقافية من قادة سياسيين وكتاب ومثقفين وصحفيين وأطباء وصيادلة ومهندسين وأكاديميين وأبناء الفئات الاجتماعية الوسطى من رجال الأعمال والمقاولين وأصحاب الورشات الصناعية، والصاغة كانت جزءاً منه.

بني المخيم جنوبي العاصمة السورية دمشق، ليتصل مع أحياء الحجر الأسود والقدم ويلدا والتضامن والميدان، ويتألف من شارعين رئيسيين ينقسمان من مدخله في منطقة دوار الجسر إلى شارع فلسطين وصولاً إلى دوار ساحة فلسطين، وشارع اليرموك وصولاً إلى موقف التربة حيث مقبرة الشهداء الثانية، وتصل بين الشارعين مجموعة الأزقة والحارات الشعبية، بينما تمتد على يسار شارع فلسطين الأبنية والحارات لتصل إلى قلب منطقة التضامن.

العرب بنوا مخيم اليرموك

في خمسينات القرن الفائت، لم يكن المخيم كما عرف قبل الثورة السورية والحرب التي ولّدتها على امتداد البلاد، وكان تجمعاً من الأبنية الطينية التي لا تتوفر لها البنية التحتية المناسبة من مياه وكهرباء وشوارع مزفتة وصرف صحي، ويذكر الفلسطينيون أن ملك المغرب محمد الخامس زار المخيم في العام 1956، وتبرع بشراء منطقة من الأراضي لصالح سكان المخيم من اللاجئين أطلق عليها منطقة الخامس، أقامت عليها وكالة غوث اللاجئين “الأونروا” مجموعة من المنشآت الخدمية منها مستوصف الخامس، ومدارس، وملعب رياضي.

ومع الطفرة العمرانية التي اجتاحت مدينة دمشق في سبعينات وثمانينات القرن الماضي نهض المخيم على أكتاف أبنائه المهاجرين في الخليج وغيره من الدول، بالإضافة إلى بعض الاستثمارات التي وظفها بعض التجار السوريين حيث قامت الأسواق التجارية مثل سوق شارع لوبية، وشارع صفد، وشارع اليرموك منطقة جامع الوسيم وما حولها، وسوق الإلكترونيات في شارع المدارس، وسوق الخضار في جنب البلدية، وسوق التقدم جانب التربة القديمة، حتى وصل مع نهاية القرن إلى أن أصبح من المناطق التي لا تنام في دمشق، إذ تكتظ شوارعه وأسواقه بالسوريين والفلسطينيين.

الفلسطينيون يذكرون أن ملك المغرب محمد الخامس كان قد زار مخيم اليرموك في العام 1956، وتبرع بشراء منطقة من الأراضي لصالح سكان المخيم من اللاجئين، سميت منطقة الخامس، وأقامت عليها وكالة غوث اللاجئين "الأونروا" مجموعة من المنشآت الخدمية منها مستوصف الخامس وعدد من المدارس وملعب رياضي

عاش المخيم في الربع الأخير من القرن العشرين، وضعاً سياسياً جيداً رغم الصراعات السياسية العميقة بين مؤيدي البرنامج المرحلي، ومؤيدي استمرارية الكفاح المسلح حتى تحرير كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة، والمحطة الأبرز في نضال أبناء المخيمات في سوريا ومنها مخيم اليرموك هي الاجتياح الصهيوني للأراضي اللبنانية وصولاً إلى احتلال بيروت الغربية في صيف العام 1982، حيث كان أبناء مخيم اليرموك ومخيمات الشتات الفلسطيني في سوريا يتبنون نهج النضال التاريخي لمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها الوطنية المقاتلة في وجه المشروع الصهيوني الغربي في المنطقة.

مع خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت وتوجه قيادة المنظمة نحو الحل السياسي التفاوضي مع إسرائيل، بعد حرب تحرير الكويت في بداية العشرية الأخيرة من القرن العشرين، بدأ دور مخيمات الشتات الفلسطيني في العمل الوطني السياسي الفلسطيني يدخل طور الأفول، وانتقل مركز ثقل النضال الوطني الفلسطيني إلى داخل فلسطين مع الانتفاضة الأولى.

والى جانب هذا النضال السياسي الفلسطيني كان مخيم اليرموك يعيش حياة اجتماعية فلسطينية نامية ومتطورة من زاوية الحضور الثقافي والإبداعي الفلسطيني، حيث قدم مخيم اليرموك للحياة الثقافية والفنية مفكرين وكتابا مثل الدكتور فيصل دراج، أحمد برقاوي، يوسف سلامة، الراحل موعود موعد، وغيرهم.

وعزز المخيم الحياة الثقافية الفلسطينية عبر المنتديات الثقافية، وكان في مقدمتها منتدى “الشهيد غسان كنفاني الثقافي”، والمنتدى “الثقافي الديمقراطي الفلسطيني”، ومنتدى “الجليل الثقافي”، و”النادي السينمائي الفلسطيني”، و”نادي فتيات فلسطين”، و”نادي فتيان فلسطين” وسينما النجوم ومراكز ثقافية وتنويرية عديدة.

كيف تم تكريس حماس؟

من أبرز النشاطات الثقافية والفنية في تلك المرحلة كان نقاش رواية “آيات شيطانية” للكاتب سلمان رشدي من خلال قراءة الدكتور صادق جلال العظم في المنتدى الثقافي الديمقراطي الفلسطيني، وإلى جانب الحضور الثقافي والسياسي في المخيم يرقد جثمان القائد الفلسطيني في التربة القديمة “أبو جهاد الوزير”، والقائد “طلعت يعقوب”، والقائد “أبو العباس”، والقائد نمر صالح “أبو صالح”، والشاعر الفلسطيني الكبير” أبو سلمى” عبد الكريم الكرمي.

المخيم عزز الحياة الثقافية الفلسطينية عبر المنتديات الثقافية، وكان في مقدمتها منتدى “الشهيد غسان كنفاني الثقافي”، والمنتدى “الثقافي الديمقراطي الفلسطيني”، ومنتدى “الجليل الثقافي”، و”النادي السينمائي الفلسطيني”، و”نادي فتيات فلسطين”، و”نادي فتيان فلسطين” وسينما النجوم ومراكز ثقافية وتنويرية عديدة

استمرت الحالة السياسية للمخيم في صراع سياسي بين مؤيد للحل السياسي التفاوضي الذي اختطته القيادة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبين مناهضي هذا الخط، ومن جهة أخرى انعكس ذلك على الصراع الديمقراطي الفلسطيني بين هذين الخطين، وأكثر ما تجلى الفعل السياسي الوطني الفلسطيني في التركيز على مفهوم حق العودة للاجئين الفلسطينيين في مخيمات الشتات الفلسطيني، وفي مقدمتها مخيم اليرموك الذي شهد ولادة العديد من التجمعات والجمعيات المنادية بحق العودة من أهمها “لجنة الدفاع عن حق العودة” و”حق العودة وتقرير المصير”، و”الهيئة الفلسطينية لحق العودة”، و”عائدون”.

وكان من أهم إنجازات تلك التجمعات إصدار كراس “دليل حق العودة” الذي أصدره مؤتمر حق العودة في مايو 2004، وجاءت انتفاضة الأقصى في العام 2000، حيث استقبل الشعب السوري الدفعات الأولى من مصابي الانتفاضة للعلاج في مشافي العاصمة السورية، وهذا ما أتاح لأهالي مخيم اليرموك تقديم يد العون والمساعدة لهؤلاء الجرحى والمصابين، والاحتفاء بهم في مكاتب المقاومة في المخيم، وأعاد هذا الحدث المخيم كحاضنة خلفية في تقديم ما يمكن تقديمه من قبل أهالي المخيم لأبناء هذه الانتفاضة، وبقيت حالة الانتفاضة بين مد جماهيري وعسكرة، حتى جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر في العام 2001، وبدأ التحول الأميركي والدولي لمحاربة الإرهاب، حيث استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون حالة الارتباك الأميركية، وقام باجتياح الضفة الغربية ومحاصرة مخيم جنين ثم اجتياحه، وكذلك محاصرة المقاطعة (مقر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات)، حتى خروجه للعلاج في رحلته الأخيرة إلى باريس.

رافق ذلك تكريس حركة حماس في مقدمة فصائل العمل الوطني الفلسطيني، واستقرار قيادتها في دمشق، وجزء كبير من كوادرها في مخيم اليرموك، وانزياح النظام عن توجيه الدعم الأكبر “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة” حيث كانت رقم واحد في الساحة الفلسطينية إلى أن تكون حركة حماس في الفصيل الفلسطيني رقم (1) والأثيرة عند النظام السوري، وجاء ذلك على حساب التحالف الوطني في الساحة الفلسطينية مثل “فتح-الانتفاضة” والقيادة العامة، وجبهة النضال-خالد عبد المجيد، والجهاد الإسلامي… إلخ، هذه الفصائل التي تحالفت مع النظام في مواجهة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية والتي كانت مكاتبها ومقارها الرئيسية في مخيم اليرموك تاريخياً.

استثمار إخوان حماس

استثمر نظام الأسد في حزب الإخوان المسلمين الفلسطيني (حماس) في ساحة العمل الفلسطينية ومنها مخيم اليرموك، في محاولة لإضعاف منظمة التحرير، تلا ذلك تقدم حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في العام 2006، بعد رحيل عرفات، حيث شكلت حركة حماس الحكومة الفلسطينية برئاسة الشيخ “إسماعيل هنية”، وحسمت الصراع في قطاع غزة لمصلحتها، مما انعكس مزيداً من الصراع الفلسطيني-الفلسطيني وفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، لتتخذ حماس من غزة مقراً تاريخياً لها.

هذا الصراع لم ينعكس فعلاً ثقافياً وسياسياً في المخيم، وإنما انعكس فعلاً اجتماعياً وانحيازياً على صعيد التمويل وشراء الولاءات السياسية والاجتماعية، حيث امتدت عقلية الإخوان المسلمين في ظاهرة تحجب النساء وبنات المخيم فعلاً يومياً، وربطت الظاهرة الإسلامية (حماس، الجهاد) الفعل الإنساني الإغاثي لأبناء المخيم بهذه الظاهرة، والتدين الشكلي الطقسي، بالإضافة إلى تكريس ظاهرة صلاة الجمعة الجماعية بالجوامع في المخيم مع ظاهرة المد الكبير في ظاهرة صلاة التراويح في شهر رمضان من كل عام.

مع تقدم الثورة السورية في العام 2011، استغل النظام إمكانية توجيه الأنظار الإعلامية والأهلية لفتح دخول جزء من أهالي مخيم اليرموك ومخيمات العاصمة قرى الجولان السورية المحتلة والوصول إلى فلسطين، وهذا حدث في مسيرة العودة بتاريخ 15/5/2011، لإيصال رسائل للدول الكبرى والكيان الصهيوني.

نظام الأسد استثمر في حزب الإخوان المسلمين الفلسطيني (حماس) في ساحة العمل الفلسطينية ومنها مخيم اليرموك، في محاولة لإضعاف منظمة التحرير، تلا ذلك تقدم حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في العام 2006

الأسد يحاصر مخيم اليرموك

قتل أكثر من شاب في هذه المسيرة، وكان تشييع الضحايا في جنازة اليرموك ملحمة لأهالي المخيم، إذ قام المخيم عن بكرة أبيه بتشييع شهدائه، وتحولت جنازة التشييع إلى مظاهرة ضد النظام السوري بعد أن أدرك ابن المخيم عملية التوظيف السياسي لمسيرة العودة وإلهاء الإعلام العربي والدولي بهذا الحدث السياسي الكبير.

أما مسيرة العودة في يوم النكسة في 5/6/2011، فقد عملت أدوات الأجهزة الأمنية على استغلالها من جديد، لكن تشييع ضحاياها تحول إلى مجزرة وطنية فلسطينية في صراع فلسطيني بين أدوات النظام وجماهير المخيم مما أدى إلى قتال فلسطيني- فلسطيني، وحرق مبنى الخالصة التابع للجبهة الشعبية (القيادة العامة).

بعد دخول المخيم على خط الثورة السورية في صيف العام 2012 بقوة، وخروج جنازة تشييع للشهداء التسعة من أبناء المخيم، والتي تحولت إلى مظاهرة ربع مليونية ضد النظام، عمل النظام على إخراج مخيم اليرموك من معادلة الصراع السوري من خلال بث إشاعة اجتياحه من قبل الجيش السوري بعد قصف جامع عبدالقادر الحسيني بطائرة “الميغ”، وحدثت نكبة اليرموك الكبرى، وبدأت عملية حصار مخيم اليرموك اليومية لتصل ذروتها في رمضان العام 2013، بمنع الدخول والخروج من المخيم.

شردت هذه النكبة حوالي 60 بالمئة من اللاجئين أبناء المخيم، أي ما لا يقل عن 300 ألف لاجئ، فقدوا منازلهم ومآويهم، ومصادر رزقهم وأملاكهم، وفقدوا رأسمالهم ومدخراتهم كاملة.

وهذا كله يضع مصير مخيم اليرموك المحاصر من نظام الأسد والتنظيمات الإسلامية، داعش والنصرة، في مهب الريح، فما الذي فعلته منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها وبقية التيارات السياسية الفلسطينية، لاسترجاع مخيم اليرموك وتحييده عن مسار الصراع في سوريا؟

14