مدائح وبخور وزغاريد في سيدي بوسعيد لتوديع رمضان

السبت 2014/07/26
مقهى الشرفات في سيدي بوسعيد يطل على مشهد خلاب يسحر الألباب

تونس – اختارت قرية سيدي بوسعيد السياحية (شمال شرقي تونس) وسكانها أن يودعوا العشر الأواخر من شهر الصوم على طريقتهم. فلم تؤثر أصداء أخبار هجمات الإرهابيين في جبل الشعانبي على سهراتهم الرمضانية الهادئة التي فضلوا أن يقضوها بين بحر وجبل بتقاليد خاصة يزيدها هدوء الليل سحرا وجمالا.

تعودت قرية سيدي بوسعيد التونسية على أن تستقبل يوميا أفواج الزوار من جميع دول العالم بهدف التسوق والتجول في أرجائها للتمتع بحمالها الخلاب.

أما في الليالي الرمضانية فتحفل القرية بقدوم ضيوفها على مختلف فئاتهم فمنهم من يأتي للسهر ومنهم من تستقطبه أجواء المكان لأداء صلاة التراويح التي تغسل القلوب وتطهر الأرواح لتطير بها في سماء الإيمان الفسيح.

فعقب الإفطار يتوجه التونسيون عائلات وفرادى لأداء التراويح التي تزيد الصائم خشوعا وتملأ قلبه إيمانا.

وتتميز صلاة التراويح بترديد العديد من الأدعية المأثورة بين ركعاتها حيث تصدر بصورة جماعية مما يبعث في النفس مزيدا من الروحانية.

وتلعب قرية سيدي بوسعيد دوراً تجارياً وحضارياً مهماً، حيث تضم سلسلة من الفنادق الجيدة والمطاعم السياحية التي تغص بالزائرين من مختلف الجنسيات، علاوة على مينائها السياحي الذي يتسع لعشرات القوارب السياحية الرابضة تحت ضوء القمر.

بائعو الفل والياسمين ينثرون الروائح العطرة في القرية

ويقول الشاب التونسي منير الرحموني، ابن القرية الذي أوصى بتصوير كل الأماكن بالمدينة: “أنا يوميا أذهب إلى مقهى الشرفات لأكمل سهرتي بعد أداء التراويح رفقة الشيشة (النارجيلة) وكوب الشاي ورائحة الفل التي لا تفارق أنفي على طول السهرة".

وأضاف الرحموني: “عند حلول الليل يتراءى للناظر جمال القرية وألوانها الزاهية التي تجعل زائرها يشعر وكأنه دخل إلى لوحة زيتية زاهية الألوان وهو ما ساعدها على الوصول إلى المرتبة الـ13 من بين قائمة المناطق الأكثر جمالا في العالم، وفق تقرير نشره الموقع الالكتروني المتخصص في الأسفار ”وين أون أورث”. ومضى قائلا “لكن ورغم سواد الليل يبقى شعاع واحد من النور قادرا على إضاءة المدينة التي ينعكس بياض جدرانها على قلوب سكانها ليجعلهم أهلا للضيافة والكرم وحسن الإقامة في ليالي الشهر الكريم".

وتتميز القرية بأجواء رمضانية خاصة، تجذب الكثير من الناس على اختلاف أعمارهم وجنسياتهم ليجتمعوا معا لقضاء ساعات المساء في أرجاء سيدي بوسعيد بين بحر وجبل، سعيا وراء البهجة التي لا تتوفر إلا في شهر الصوم.

يوجد في سيدي بوسعيد متجر حلويات تقليدية يتخصص في إعداد “البوزة” و”الزرير” و”عصيدة الزقوقو” وكلها حلوى رمضانية تستقطب مئات التونسيين الذين يفضلونها في قضاء بقية السهرة .

وأثناء التجول في أرجاء القرية هناك العدد الكبير من بائعي الياسمين الذين يتخذون من سيدي بوسعيد وبقية المناطق السياحية في مختلف أنحاء البلاد سوقا أساسية لتوزيع عقود الياسمين ذات الرائحة العطرة.

وتتراءى لزائر القرية متاجرها التي لا تخلو من المصطافين والزائرين الذين اختاروا أن يقتنوا مشتريات من الأسواق العتيقة للقرية التي تملك أسواقا متشابهة لتلك الموجودة بالمدينة العتيقة بالعاصمة تونس، وهي قادرة على تلبية ما يطلبه السائح الغربي والشرقي من ملابس تقليدية ومنتجات تذكارية تنفرد بها الأسواق التونسية العتيقة.

سيدي بوسعيد تستقطب أفواج الزوار للتسوق والتمتع بجمالها الخلاب

ويتوسط الأسواق محل شهير يأتيه الزوار يوميا من كل حدب وصوب طمعا في الظفر بقطعة من “البنبلوني” وهي بمثابة فطيرة تصنع من عجين الدقيق والماء وتقلى في الزيت ثم تكسى بحبات السكر لتصبح جاهزة للأكل.

كما يقصد الكثيرون مقهي الشرفات أو ما يعرف بمقهى “سيدي شبعان” الذي يقع في اتجاه طرف التل وهو يطل بشرفاته الكبيرة على ميناء القرية وخليج تونس وشاطئ قرطاج وعلى مشهد خلاب يسحر الألباب.

وبحسب الروايات فإن قرية سيدي بوسعيد سميت بهذا الاسم، نسبة للولي الصالح أبو سعيد بن خليف بن يحي الباجي، الذي كان يعيش فيها أوائل القرن الثالث عشر، بعد أن انقطع فيها عن العالم من أجل العبادة قبل أن يدفن فيها، ويزور ضريحه (الذي بني في القرن الثامن عشر) إلى الآن الكثير من الناس، ويقع بجانب جامع "الزاوية".

وتقام في مزار الولي الصالح أبو سعيد خلال أغلب ليالي الشهر الكريم احتفالات دينية من أهمها “الخرجة” التي تحييها فرق من العيساوية تقوم بسرد قصائد ومدائح على أنغام الدفوف والزغاريد.

والخرجة العيساوية هي بمثابة حفل ديني تدق فيه الطبول، وترتل فيه الأذكار الدينية والأناشيد، ويجتمع كل أهالي القرية لإحياء ذكرى الأولياء الصالحين.

وتتزايد خلال شهر رمضان وتيرة الاحتفالات والسهرات في فضاءات سيدي بوسعيد الثقافية التي تقدم يوميا العديد من العروض والورش الفنية، ويعتبر “قصر النجمة الزهراء” من أبرز وأهم الفضاءات الثقافية بالمنطقة.

وعلاوة عن دوره الثقافي يحظى القصر بدور أكاديمي كبير يدفع الباحثين في التراث الموسيقي التونسي إلى التردد عليه كما يتم استغلاله لتقديم عروض موسيقية طيلة السنة.

ورغم تعدد الأماكن الجميلة التي من الممكن قضاء فيها سهرات رمضان في ليالي الصيف الحارة تبقى قرية سيدي بوسعيد المعروفة باسم قرية “السلام” لأن أغلب محلاتها يغلب عليها اللون الأبيض، كما يسميها أهلها الملجأ الأول والأقرب للمصطافين وأحباء السهرات الرمضانية التي لا تنسى خصوصا بعد أكل “البنبلوني” وشرب الشاي الأخضر في أحد مقاهيها المنتشرة.

20