مدابغ القاهرة تودع "مجرى العيون" الأثرية

مدابغ القاهرة القديمة، أو مدابغ “سور مجرى العيون”، كما يحلو للمصريين أن يسموها، ستصبح قريبا أثرا بعد عين، ومجرد ذكرى، حيث بدأت عملية نقلها من مكانها القديم إلى موقعها الجديد، وهكذا سوف يختفي عالم مملوء برائحة الدباغة، والأساطير، والحكايات، والأسرار، لواحدة من أقدم الصناعات اليدوية المصرية.
الاثنين 2016/12/12
حتى يتأنق الآخرون (تصوير محمد حسنين)

القاهرة - بدأت مدابغ الجلود، بمنطقة مصر القديمة (وسط القاهرة)، الانتقال إلى منطقة “الروبيكي”، بمدينة بدر الصناعية، التي تبعد عن القاهرة 45 كيلومترا تقريبا، وبينما أيّدت قرار النقل الذي اتخذته الحكومة بعد عناء، قلة قليلة من أصحاب المدابغ، فإن الكثيرين منهم يرفضونه، ويؤكدون أن تلك الصناعة التاريخية باتت في طريقها إلى الزوال.

تعد “مدابغ عين الصيرة”، أشهر تجمع بالعاصمة المصرية لصناعة الجلود، وقد أعطاها سور “مجرى العيون” طابعا فريدا، كونه من أندر الآثار الإسلامية، حيث تم تشييد السور في عهد السلطان المملوكي قنصوه الغوري عام 1508، عندما أمر بإنشاء سواق وقناطر جديدة في أقرب نقطة تربط نهر النيل بالقلعة عند منطقة فُم الخليج.

تلك المنطقة، تحولت في السنوات الأخيرة، إلى واحدة من أبرز الأماكن التي يحرص السياح على الذهاب إليها، بعد زيارة السور الأثري، للاستمتاع بمشاهدة أسرار تلك الحرفة اليدوية، التي تعتمد على طرق تقليدية، ويطلب السياح دائما صناعة منتجات خاصة بهم، كتذكار يحمل نقوشا فرعونية وإسلامية.

أياد مجردة

بصعوبة شديدة، تجوّلت “العرب” في المنطقة، لرصد تلك المهنة العتيقة، قبل تنفيذ قرار نقلها، فالشوارع ضيقة، تغطيها مياه الصرف الصحي، التي تحولت إلى قنوات صغيرة، تتراص على جانبيها ورش ومبان متهالكة متلاصقة لدباغة الجلود، ومخازن لتمليحها، بالإضافة إلى مصانع الغراء (الصمغ) والجيلاتين، وتنتشر في كل مكان فضلات الجلود والصوف، وتنبعث من داخل المدابغ رائحة مادة “الأمونيا”، ومواد الصباغة الزاكمة للأنوف، وتتداخل أصوات البراميل مع صرير ماكينات قديمة لصباغة الجلود.

5 آلاف عامل من المصريين والسودانيين والهنود، يعملون 12 ساعة كل يوم

عمال كثيرون، تختلف جنسياتهم؛ فمنهم المصريون ومنهم السودانيون، والقليل من الهنود، لا يستطيع الناظر إليهم التفريق بينهم، فجميعهم يتشاركون في ارتداء الملابس الرثّة المبللة بالعرق الذي يتصبب من وجوههم وتفوح منه روائح الكيماويات.

عددهم نحو خمسة آلاف عامل، يتوزعون على 540 ورشة ومصنعا صغيرا، ويعملون يوميا لمدة 12 ساعة متواصلة بلا كلل، على استلام جلود الحيوانات بمجرد ذبحها وسلخها، ليقوموا بتحويلها إلى منتجات جلدية طبيعية، تتنوع بين معاطف وحقائب وحافظات نقود وملابس وأحزمة وأحذية.

“تل العيون”، و”أولاد أوريتا”، و”زقاق السلطان”، كلها أسماء لأماكن اشتهرت بمهنة دباغة الجلود منذ سنوات طويلة، وتراصت بها عربات الكارّو (عربة خشبية تجرها الحمير والخيول) في صف واحد، ويجلس فوقها السائقون والحمالون. سامي بسيوني (حمّال) سبعيني، كان واقفا في انتظار “الرزق”، قال لـ”العرب”، إن الحمالين هم الوحيدون القادرون على نقل الجلود من وإلى المدابغ، نظرا لضيق الشوارع، حيث ينتظرون بفارغ الصبر من يطلب النقل إلى الملّاحات (مخازن تمليح الجلد)، أو إلى ورش الدباغة، أو ورش شد الجلد لتجفيفه، ومن ثم نقله لصباغته بالألوان، وأخيرا نقله لبيعه خارج المدابغ، أما فضلات الجلود، فينقلونها إلى مصانع الغراء، مقابل 15 جنيها (ما يقارب الدولار) للنقلة الواحدة.

يقول بسيوني، إن المنطقة في بادئ الأمر كانت بعيدة عن الحيز السكني، ما سمح للورش والمدابغ بالانتشار من حولها، ومع التوسع العمراني باتت تلك المدابغ في قلب الكتلة السكنية بالقاهرة، لتستحوذ على أكثر من 80 بالمئة من إنتاج الجلود بمصر.

البعض من الورش في منطقة المدابغ، يرجع تاريخ إنشائها إلى الثلاثينات من القرن الماضي، وتولت إدارتها أجيال كثيرة، من بينها مدبغة الحاج بيومي القط، ومدبغة عبدالحافظ، ويتجاوز عمر كل منهما الآن الثمانين عاما.

رصدت “العرب”، بمدبغة عبدالحافظ، مياها ملونة تغمر أرض المدبغة، متسربة من براميل الدباغة، ذات روائح منفّرة، ربما كانت سببا رئيسيا في علامات الإعياء الشديد التي تبدو على وجوه عمال توزعت مهامهم بين تصنيف الجلود، وإزالة الصوف منها بمواد حارقة، عن طريق غمسها في براميل الكيمياويات.

الغريب في الأمر، أن عددا قليلا منهم كان يرتدي القفازات، أما الغالبية فيستخدمون المواد الكيميائية بأياد مجردة، بالرغم من آثار الالتهابات والندبات التي تبدو عليها، فالعاملون في الحرفة يتعرضون للاحتكاك المباشر مع الماء والمواد الكيميائية المستخدمة، ويستنشقون أبخرة ضارة منبعثة عنها، بجانب النزول إلى أحواض المياه في هذا البرد القارس، والمكوث بها لساعات لتنظيف الجلود.

الأبناء يتوارثون سر المهنة

عمل شاق

سمير سعد (دباغ)، أكد أن الدباغة ليست بالأمر السهل، وغالبية العاملين بها توارثوها عن آبائهم وأجدادهم، فصاحب المدبغة حريص على ألا تخرج أسرار مهنته بعيدا عن أفراد أسرته، ولا يأتمن إلا أبناءه وأقاربه عليها، فيعلمهم ويعهد لهم دوما بإنجاز الأعمال المختلفة من تنظيف الجلد ودباغته وتفصيله.

شرح الدباغ لـ”العرب”، أن الجلد يمر بمراحل كثيرة، تبدأ بعد عملية الذبح وفصل الجزار للجلد عن لحم الحيوان، وبمجرد أن يصل الجلد إلى المدبغة، يوضع في الملح لمدة 10 أيام، لضمان قتل أي ميكروبات أو فيروسات قد تكون أصابته، ثم يمر على دائرة حلزونية الشكل، ويتم وضع حجر جيري عليه لمدة تتراوح بين 8 و10 ساعات، طبقا لنوع الحيوان، فالخراف والماعز مثلا تحتاج جلودها إلى ساعات أقل من جلود الجمال والأبقار.

الاستعانة بالحجر الجيري مهمة لنزع صوف الحيوان من الجلد، وتنظيفه جيدا، ثم تبدأ مرحلة إزالة قطع اللحم والدهون العالقة به، بوضع ظهر الجلد على إحدى الماكينات، لتتم إزالة السلّاتة (طبقة الظهر)، والتي تصنع منها مادة الغراء اللاصقة.

يُغسل الجلد بعد ذلك بماء نظيف، لتكون عملية ضرب الجلود هي الخطوة التالية، بوضعها في حمام ماء مخلوط بمحاليل حمضية.

وأوضح سعد أنه يعمل على تطهير الجلود الحيّة بكافة الحيَل الكيماوية التي تعلمها، حيث يخلطها بمقادير مُحددة إلى براميل الدبغ الخشبية العملاقة، لتدور مع الماء والجلود تحت بصره وإشرافه.

التعامل مع المقادير الكيماوية المضافة، والوقت الذي يستغرقه بقاء الجلود في المحاليل يستلزمان الدقة المتناهية، لأن أي تغيير فيهما يؤدي إلى إتلاف الجلد، وبعد تنظيف الجلد توضع طبقاته فوق بعضها البعض في أكوام متراكمة، طبقا لنوع “الذبيحة”.

تدخل الجلود بعد ذلك في مرحلة الدباغة، وتعد الدباغة بالكروم الأوسع انتشارا، حيث يتم نقع الجلد في محلول من حمض الكبريتيك والملح، ويستمر لفترة، ثم يغسل بعدها ويوضع في أسطوانات، مما يكسبه لونا أزرق فاتحا أو أسود، وتكون الجلود المدبوغة بالكروم ليّنة، وأكثر مقاومة للحرارة والخدش، وتستخدم في صناعة الأحذية والحقائب.

وهناك طريقة الدباغة النباتية، التي تتم في أحواض كبيرة مملوءة بالماء ومادة “التانين”، وتتميز الجلود المدبوغة بتلك الطريقة بصلابتها ومقاومتها العالية للماء، بالمقارنة بغيرها المدبوغة بالكروم، لذلك تستخدم في صناعة السيور الثقيلة للآلات.

أما إذا أراد الدباغ جلودا شديدة النعومة، فما عليه إلا أن يدمج بين الطريقتين السابقتين، ويستخدم الجلد الناتج عن عملية الدمج في صناعة الملابس أو القفازات.

المشكلة التي يعاني منها الدباغون، تتمثل في المواد الكيماوية، فأغلب ورش المدابغ تعتمد على الفرز الثاني والثالث من الكروم والصوديوم والجير وغيرها، وبعضها مغشوش يتم استيرادها من الصين، بعد أن كانت في الماضي يتم استيرادها من ألمانيا وإيطاليا، الأمر الذي أثر سلبا على جودة المنتجات.

“لكل ورشة في سور مجرى العيون ما يميزها في الدباغة، ولها زبائنها الذين يقصدونها بالاسم”، هذا ما قاله لـ”العرب”، باهي عبدالمطلب، عامل مُسمار، (هكذا يسمونه هناك)، خمسيني، موضحا أن دوره يأتي بعد عملية الدباغة، فالجلد المائل إلى الانكماش يتم فرده وتجفيفه على أسطح زجاجية أو رقائق معدنية.

وأضاف العامل، وهو يُدير ماكينة لتعديل سُمك الجلد، أنه يدبسها أحيانا على ألواح خشبية كبيرة، تحتوي على فتحات للتهوية، ثم يتركها تحت أشعة الشمس، للتخلص من أي رطوبة، لتدخل بعد ذلك في المرحلة الأخيرة الخاصة بالتشطيب، فيتم قصها وتصنيعها، وفقا لمقاسات محددة وتوريدها إلى الأماكن المخصصة لتصنيعها.

طوق نجاة

العديد من المناطق بالقاهرة، رُشحت سابقا لاحتضان المدابغ، كبديل عن منطقة مجرى العيون الأثرية، مثل مناطق “البساتين”، و”شق الثعبان”، ومدينة السادس من أكتوبر، ومدينتي الشروق وبدر؛ ليتم الاستقرار نهائيا على منطقة “الروبيكي” بمدينة بدر الصناعية.

لكل ورشة في سور مجرى العيون ما يميزها في الدباغة، ولها زبائنها الذين يقصدونها بالاسم

قرار النقل تعثر لسنوات طويلة، لكنه دخل أخيرا حيز التنفيذ، حيث بدأت بالفعل عملية تفكيك الماكينات، وإخلاء الورش، فور صدور أذون بتخصيص الأماكن لها بالمدينة الجديدة، فضلاً عن إخلاء الورش التي فضّل أصحابها الحُصول على تعويضات وترك الصنعة.

عملية النقل لاقت ترحيبا من البعض من أصحاب المدابغ الذين أكدوا لـ”العرب” أنه قرار حكيم، لما فيه من مصلحة للمهنة، وخدمة العاملين بها، لزيادة عائداتهم، وتحسين أوضاعهم المعيشية، وعودة الريادة لمصر في صناعة ودباغة الجلود.

غير أن الكثير من العاملين بالمهنة، عارضوا هذا الرأي، وظهر ذلك جليا على سور مجرى العيون الأثري من الخارج، حيث كُتبَت عبارة من أحد الصنايعية بخط رديء “لا لنقل المدابِغ”، بسبب بعد المسافة بين مصر القديمة (حيث المدابغ الآن) والروبيكي، وما يتطلبه ذلك من نفقات انتقال بتكلفة باهظة للعمالة، التي هي أساس المهنة وليست الآلات.

وأوضحوا لـ”العرب”، أن عملية النقل، قد تُعرض الماكينات للتدمير، لأنها عبارة عن براميل خشبية كبيرة، يوضع فيها الجلد الخام، وتحتوي على مواد كيماوية للدباغة. بالإضافة إلى أن قرار النقل لم يراع المستأجرين، ولم يحدد أوضاعهم بعد النقل، فكل ما سيحصلون عليه مجرد تعويض صغير، كما أنهم كانوا يحصلون على الجلود مباشرة من السلخانة (مكان ذبح الحيوانات)، لكن ابتعاد منطقة الروبيكي عنها ستنتج عنه إصابة جلود الحيوانات ببكتيريا تؤثر على جودتها.

وعلى الجهة المقابلة، أكد مسؤولون بمجلس إدارة غرفة دباغة الجلود باتحاد الصناعات المصري، لـ”العرب”، أن المدينة الجديدة ستكون بمثابة طوق النجاة لإنقاذ صناعة الجلود في مصر.

وأشاروا إلى أنهم بذلك يتفادون كارثة كبرى، انتشرت في الآونة الأخيرة، وهي تصدير الجلود خاما، ثم إعادة استيرادها بأسعار باهظة، نظرا لعدم توفر الإمكانيات اللازمة للصناعة، هذا بالإضافة إلى الامتناع عن دفع الضرائب، مما يؤثر على الصناعة المحلية، وشارك في هذا التأثير السلبي، انتشار المنتج الصيني، الذي ضرب المنتج المحلي بسبب رخص السعر.

20