مدارس صياغة الحلي لتطوير الأساليب المتوارثة في مصر

مدرسة “إيجيبت غولد" تهدف إلى تخريج جيل جديد من الصناع يواكب العصر ويلم بالتكنولوجيا، ويتقن صناعة مصوغات خفيفة بتصميمات عصرية بدلا من الأشكال القديمة الكبيرة.
الجمعة 2019/09/13
رؤية وتصميم جديدان

تتبنى القاهرة خطوات متسارعة لإحداث نقلة في صناعات الحلي عبر إنشاء سلسلة من المدارس المتخصّصة في الذهب والمجوهرات، وإضافة مواد معنيّة بالمعادن النفيسة إلى مناهج المدارس الحرفية القائمة، في محاولة لتطوير أسلوب العمل بشوارع الصاغة التي يهيمن عليها خبراء العيارات “الشيشنجية”، والتقليل من الاعتماد على العمالة الآسيوية في صناعات الألماس.

يتزامن الاهتمام بصناعة المصوغات مع تحركات لتطوير عمليات التنقيب عن الذهب في الصحراء المصرية والتي تكون أحيانا مشعة بسبب طرق عملهم غير المدروسة.

تبدأ مدرسة “إيجيبت غولد” في استقبال الطلاب الجدد قبل نهاية شهر سبتمبر الجاري، وتوّفر في الوقت ذاته دورات لجميع الأعمار للعمل في تخصصات صناعة الذهب والماس والمجوهرات بالأسواق الخارجية.

وتظهر المدرسة الجديدة اهتمامًا مفاجئًا بإنتاج الذهب والألماس، بعد إضافة مواد تتعلق بصناعته في مدارس التكنولوجيا التطبيقية العشر التي افتتحتها أخيرًا، وتعتمد أيضًا على الشراكة بين وزارة التربية والتعليم وشركات القطاع الخاص ومؤسسات تعليمية أجنبية مرموقة في مجال التأهيل الفني.

وفقا لشعبة الحلي بغرفة صناعة الحرف اليدوية في اتحاد الصناعات المصرية، فإن شيوخ الصناعة تركوا سوق الذهب بعد تدني مستوى المهنة وتجاهل مشاكلهم من قبل الجهات الحكومية، وفي مقدمتها توفير العملة الصعبة وإرهاقهم بالضرائب، ما ترك السوق في قبضة أصحاب الورش الصغيرة. وقبل خمس سنوات، كان يعمل بصناعة الحلي في مصر قرابة نصف مليون شحص، لكن أعدادهم تقلصت مع انحسار حرك السياحة وركود السوق المحلية على وقع ارتفاع الأسعار، وعجزهم عن منافسة المنتجات الوافدة من الخارج التي تمتاز بجودة أفصل وسعر أقل.

اهتمام كبير بصناعة المصوغات
اهتمام كبير بصناعة المصوغات

 

قال نادي نجيب، سكرتير عام شعبة الذهب بغرفة القاهرة التجارية، إن صناعة الذهب ستتحول من حرفة متوارثة إلى مواد علمية في المدرسة الجديدة التي تتضمن مناهج حول طبيعة المعادن النفيسة والعيارات الذهبية، والإضافات التي تضاف على الذهب البندقي (سبائك الخام) ليتحول من عيار إلى آخر، فالعمال بأسواق الصاغة يعتمدون على التدريب العملي دون المعرفة العلمية.

ربما تستهدف المدرسة الجديدة حفظ التراث الفرعوني في صناعة الحلي والذي لا يزال حاضرًا بقوة في بعض الأماكن النائية، مثل “الإدريم” الذي يشبه قرص الشمس أو الإله رع عند القدماء ويعلق كتميمة على الصدر عند نساء واحة سيوه بالصحراء الغربية، وكذلك أساور دارجة في النوبة تتضمن تطريزًا يشبه أثداء النساء كرمز قديم عن الخصوبة والنماء.

وأوضح نجيب لـ“العرب”، أن المدرسة الجديدة للحلي تهدف إلى تخريج جيل جديد من الصناع يواكب العصر ويلم بالتكنولوجيا، ويتقن صناعة مصوغات خفيفة بتصميمات عصرية بدلا من الأشكال القديمة الكبيرة، لكنه اعتبر أن أساسها التعليم ولا تضمن وظيفة لخريجيها الذين عليهم البحث عن فرصة داخل الورش.

قد يواجه الخريجون مستقبلاً أزمات في ظل حالة الركود العنيف التي تعاني منها حركة البيع على وقع التضخم والتغير المستمر في أذواق المستهلكين نحو الإكسسوارات الحديثة رخيصة الثمن، وتفضيل أصحاب الورش شبكة الأقارب في التوظيف لضمان عدم التعرض للسرقات أو التبديد ولإبقاء أسرار المهنة بعيدا عن الغرباء. وكانت شوارع الصاغة لا تخلو من الأفراح وأصوات الزغاريد النسائية الملازمة لشراء الشبكة الذهبية، لكن الحركة حاليًا تصب في اتجاه واحد فقط هو الشراء من الزبائن وليس البيع لهم، لتنتقل الحركة أكثر في اتجاه محال الذهب الصيني والتمائم الزجاجية الملونة التي نمت على أطراف السوق.

إنشاء سلسلة من المدارس المتخصّصة في الذهب والمجوهرات، وإضافة مواد معنيّة بالمعادن النفيسة إلى مناهج المدارس الحرفية القائمة
إنشاء سلسلة من المدارس المتخصّصة في الذهب والمجوهرات، وإضافة مواد معنيّة بالمعادن النفيسة إلى مناهج المدارس الحرفية القائمة

ورغم التسارع الذي تشهده صناعة الذهب عالميا، يظل “الشيشنجية” الذين يتبعون الطرق اليدوية التقليدية في تحديد عيارات الذهب بدقة يهيمنون على السوق، ويفرضون لغتهم الخاصة في تقدير الذهب فيستعيضون عن الغرام بكلمة دِرِهم والذي يعادل 3.125 غرام، ويستخدمون كلمة السهم للدلالة على نسبة الذهب في العيار.

أكد سعد بشاي، شيشنجي وصاحب محل ذهب لـ“العرب”، أن مهمته شبيهة تمامًا بمعامل التحاليل الطبية، فهو يأخذ عينة من الذهب ويحللها سواء يدوياً أو إلكترونيا ويقدر الشوائب، وتحتاج إلى عمالة مدربة منذ الصغر فمن مهام المهنة استخلاص الذهب المتساقط أثناء الصناعة من الأتربة، والملابس التي يرتديها العمال.

في ورشة “بشاي” يقوم العمال الأكثر خبرة بفصل الأعيرة المختلفة من سبائك ممتلئة بالشوائب وتنظيفها بمطرقة تقليدية ومسمار غليظ ومقص، ووضع غرامات صغيرة من كل عيار داخل أظرف ورقية تمهيدا لإعادة تسييلها وتجميعها مع بعضها البعض.

وتتمركز مجموعة من العمال صغار السن أمام مواقد من النار، واضعين اهتمامهم الكامل في توقيتات الاشتعال ودرجة الحرارة لصهر القطع، فالعبوات الفخارية الصغيرة في الأفران، لا يجب أن يمر عليها أكثر من خمس دقائق قبل أن يتم إخراجها.

وأوضح بشاي أن سنوات الممارسة الطويلة تمكن العاملين من معرفة الذهب الحقيقي من المغشوش بمجرد الإمساك به، وتحديد العيار بمجرد الضغط علي القطعة الذهبية.  

20