مدارس مصرية تعاقب الأطفال بسبب ضعف مستوى الأسرة الاجتماعي

سياسة التعليم الخاص تقوم على الإقصاء والتمييز، والمدارس الخاصة تنصاع لتوجهات الأسر الراقية ونمط تفكيرها.
الخميس 2018/08/16
تمييز متعدد الأوجه

أن يكون الطفل لأبوين حاصلين على مؤهلين تعليميين متوسطين، أو لأسرة لا تتمتع بوجاهة اجتماعية، فهذا مقدمة لحرمانه من الالتحاق بإحدى المدارس الخاصة، حتى وإن تجاوز الاختبارات الشفهية والتحريرية المؤهلة للقبول. هذا لسان حال الكثير من الأسر في مصر قبل أسابيع قليلة من بدء العام الدراسي الجديد

 القاهرة - طوال أربعة أشهر مضت، استنفد ماهر محمـد، والد الطفلة حنين ذات الخمس سنوات، كل محاولات إلحاقها بإحدى المدارس الخاصة، بالرغم من قدرته المالية على دفع المصروفات الدراسية، لكن ابنته رُفضت لأنه حاصل على مؤهل متوسط (دبلوم تعليم صناعي)، ولا يجيد اللغة الإنكليزية.

تقدم ماهر بأوراق ابنته إلى خمس مدارس، ولم تُقبل، فهو منهمك في عمله بورشة إصلاح السيارات التي يمتلكها، ولم يحصل على دروس في تعلم اللغة الإنكليزية، استعدادا للمقابلة الشخصية في المدرسة، وزوجته لا تعمل ولم تفعل الأمر ذاته، وهي حاصلة على دبلوم تجارة.

ويقول الأب “ابنتي تعرف الإنكليزية بشكل مناسب لسنها، فهي دخلت الحضانة منذ الصغر، واجتازت الاختبارات التي أجريت لها، كتابة ونطقا، لكنهم (يقصد المسؤولين في المدارس) عندما اطلعوا على البحث الاجتماعي والوظيفي لنا (يقصد له ولزوجته)، أبلغونا بأن الوظيفة والمؤهل غير مناسبين”.

ويأخذ التمييز بين الأطفال في معايير القبول بالمدارس الخاصة في مصر، أكثر من منحى، فلا يقتصر الأمر على حرمان أبناء حاملي المؤهلات التعليمية المتوسطة، إنما يصل إلى استبعاد أبناء المطلقات والقاطنين في مناطق شعبية وريفية.

وتتعامل وزارة التعليم بثقافة الانتقائية مع هذه المدارس، بين من يُقبل ومن يُرفض، ويسود منطق السوق الحرة، أو سياسة العرض والطلب، بمعنى آخر كل مدرسة لديها الحرية المطلقة في تحديد معايير قبول الأطفال، وفق لوائحها الداخلية، وتتزايد الانتقائية الاجتماعية لدى المدارس التي يتزايد الإقبال عليها.

 وما يعزز مفهوم الانتقائية في التعليم المصري، أن الحكومة نفسها تدعم هذا التوجه، بعدما قررت أن تكون المدارس اليابانية مقتصرة على أبناء الطبقة القادرة على دفع 10 آلاف جنيه سنويا (حوالي 560 دولارا)، بينما بعض المدارس الخاصة مصروفاتها أقل من ذلك بكثير.

المشكلة الأكثر تعقيدا، أن بعض الأسر التي تتعامل مع المدارس الخاصة بمنطق الوجاهة الاجتماعية لا تفضل وجود أولاد بسطاء مع أبنائهم بذريعة أنهم يعيشون الحرمان والعوز وانعدام فرص الترفيه ويشبون على سلوكيات خاطئة.

ولأن الربح المادي هو المتحكم الأول في توجهات غالبية المدارس الخاصة، فإنها تميل إلى الانصياع لتوجهات الأسر الراقية ونمط تفكيرها، لاستقطاب أكبر عدد من أبنائها، لا سيما طلاب العائلات التي تتمتع بنفوذ مالي وسلطوي، لأن ذلك يمثل دعاية مجانية لها.

اللافت أن هناك ثقافة بدأت تتصاعد بين بعض الأسر البسيطة في مصر، وهي السعي لإلحاق أبنائها بمدارس تقدم تعليما حضريا وراقيا، بعيدا عن نظيرتها الحكومية المتهالكة ذات الكثافة الطلابية المرتفعة، والتي يسوء مستواها بشكل غير مسبوق.

الأسر التي تتعامل مع المدارس الخاصة بمنطق الوجاهة لا تفضل وجود أولاد بسطاء لأنهم يشبون على سلوكيات خاطئة

فكرة تضحية الكثير من الأسر بالاستعداد لتحمل المزيد من الأعباء المالية نظير توفير بيئة تعليمية مناسبة لأبنائها، لا تواجه بقبول من جانب بعض أصحاب ومدراء المدارس الخاصة، وتقوم سياساتها على الإقصاء والتمييز وفق مستوى الأسر الاجتماعي والوظيفي والتعليمي.

أكثر من تحدثوا لـ”العرب” عن الظروف التي أجبرتهم على إلحاق أبنائهم بمدارس خاصة، رغم ما يسببه لهم ذلك من ضغوط مالية، برروا ذلك بأن “التعليم أصبح السبيل الأمثل لتغيير واقع الأسرة وإنقاذها من دوامة الفقر الاجتماعي، لأنها لا تمتلك سوى الاستثمار في أبنائها”.

وطرأت تغييرات على نمط تفكير بعض الأسر المدرجة ضمن الطبقتين البسيطة والمتوسطة في مصر، حيث بدأت تستغني عن الكثير من الأولويات، مقابل الادخار والتفكير في مستقبل الأبناء، وتعليمهم في بيئة مستقرة نسبيا، بشكل يعود بالنفع عليهم مستقبلا. وتوجد أسر يعمل أربابها في أكثر من مهنة في آن واحد، لتوفير متطلبات تعليم الأبناء، واللافت أنهم لا يحملون مؤهلات دراسية، لكن بعضهم يفكر بمنطق إذا أصبح الابن مهندسا سوف يغيّر مسار حياته، وإذا تخرج طبيبا فالنظرة المجتمعية للأسرة ستكون في وضعية أفضل.

ويبرر أحمد مسعود -الذي يعمل حارسا لعقار بحي عين شمس في القاهرة- سعيه لإلحاق أبنائه بإحدى المدارس الخاصة، بأنه “لا يريد لهم نفس المصير الذي تعرض له في صغره، بعدما تمسك والده بحرمانه من استكمال تعليمه بسبب الظروف المادية للأسرة”. ولدى أحمد، وغيره الكثير من أبناء الطبقة البسيطة في مصر، قناعة بأن خريجي المدارس الخاصة لهم الحظ الأوفر في فرص العمل مستقبلا، كما أن اختلاطهم بأبناء الأسر الغنية يخلق لديهم الحافز نحو مزاحمتهم في الوظائف والسعي الدؤوب للترقي.

صحيح أن الراتب الشهري الذي يتقاضاه حارس العقار (البواب كما يسمى في مصر) لا يتجاوز ألفي جنيه (112 دولارا)، لكنه يتحدث عن مساعدات مالية يتلقاها بشكل دوري من بعض سكان العقار، تستطيع أن توفر مصروفات أبنائه، وأكثر ما يؤلمه أن أولاده الثلاثة أصبحوا ضحية أميته.

وترتبط دوافع رفض المدارس الخاصة لقبول هؤلاء بعوامل اجتماعية، باعتبار أن الأسرة مكملة للمدرسة، فإذا كان الأبوان غير متناغمين مع المستوى التعليمي للأبناء والثقافة ونمط التفكير بعد الانخراط في بيئة تعليمية راقية سوف تكون مغايرة لبيئة الأسرة، فستكون هناك حلقة مفقودة.

وقال بدوي (ع) وهو مالك مدرسة خاصة في محافظة الجيزة، إن هناك 3 أنواع من المدارس التي لا تقبل أبناء بسطاء، الأولى مبرراتها أنه من الصعب قبول طفل لأسرة غير متعلمة، أو لأبوين لا يحملان شهادتين جامعيتين، لأن المدرسة سوف تتحمل عبء تعليمه دون أي دور لأسرته، ما يزيد من احتمال رسوبه ويشكل دعاية سلبية للمدرسة.

والنوع الآخر، هو المدارس التي يمتلكها أثرياء، وهؤلاء يمثل المستوى الاجتماعي بالنسبة لهم أولوية قصوى، وهم شغوفون بالتعامل مع الأسر الراقية، التي لا تسبب أزمات للمدرسة إذا قررت الترفيع في المصروفات.

وأضاف لـ”العرب” أن النوع الثالث لا يتعامل مع توفير الأسر البسيطة للمصروفات الدراسية كمشكلة أساسية، بقدر ما تكمن الأزمة لديه في أن الطفل قد يعاني من ازدواجية تؤثر على شخصيته، فهو يدرس في بيئة متحضرة، ويعيش في جو أسري معاكس، ما يجعله في حالة صراع مع النفس، تؤثر على تحصيله العلمي.

21