مدام بوفاري هي أنا

السبت 2016/04/30

غوستاف فلوبير (1821-1880) الكاتب الفرنسي هو من أوهمني بأن بطلته إيما بوفاري هي أنا. قال جملته ليربك مشيتي بها. هناك نسخ لا تزال نضرة من إيما بعدد قراء تلك الرائعة الأدبية التي نشرت عام 1859 وقادت مؤلفها إلى المحكمة.

في روان البلدة التي تقع في النورماندي الفرنسي حاولت ذات مرة أن أتتبع آثار خطى الجميلة إيما. هل كنت أحلم بأن أكون واحدا من عشاقها؟ لم يكن لدي ما أخفيه عن إيما، الفتاة الريفية المتطلعة إلى حياة الحفلات ورفقة النبلاء في رقصاتهم ونزهاتهم بين الحقول وكسلهم الأسطوري.

كلما قرأت تحفة فلوبير أشعر بميل للوقوف إلى جانب طبيب القرية شارل بوفاري في عشقه الصامت لزوجته التي أنهت حياتها منتحرة بالزرنيخ. ما رأته إيما في زوجها شيء وما رأيته فيه هو شيء آخر. غير أن ذلك لا يعني أني لم أغفر لإيما تمردها الذي قادها إلى الخيانة الزوجية.

حاول فلوبير أن يلعب لعبته الروائية انطلاقا من خبر صغير قرأه في إحدى الصحف المحلية. قد لا تشبه تلك المرآة المنتحرة في الخبر إيما التي اخترعها فلوبير لتكون مدام بوفاري في شيء. وهنا بالضبط يكمن سحر ما فعله فلوبير. لقد اخترع حياة بأكملها من خبر هامشي، حياة سيضج بها المجتمع الفرنسي وهو يتابع تفاصيل محاكمة الكاتب الذي أتهم بخدش الحياء العام. كانت إيما من وجهة نظر القانون ضحيته. لو كانت إيما لا تزال حية هل كان بوسعها أن ترى خالقها خلف القضبان؟

هناك صفحات في ذلك الكتاب تحلق بي فوق غيوم روان كلما قرأتها لأرى من هناك دروب المدينة الضيقة والفندق الذي كانت إيما تقيم فيه والعربة التي تقلها إلى بيتها والحانة القريبة من ذلك البيت الذي يقيم فيه صيدلي القرية الذي سهل لها مساعده الحصول على السم الذي قتلها أخيرا.

كانت رواية (مدام بوفاري) أحد أعظم الأعمال الأدبية التي فتحت عيني على سحر الكتابة. فالمرأة التي شغفت بها كانت قد خلقت من الكلمات. ومع ذلك فإنها لم تكن امرأة وهمية. لم تكن إيما دمية بقدر ما كانت روحا هائمة. ينظر إليها المرء فيظن أنه يخترق جسدها بسبب شفافية ذلك الجسد الذي عذبها برغباته. غير مرة بكيت لا من أجل إيما بل من أجل شارل، الرجل الذي اكتشف خيانات زوجته بعد موتها وظل وفيا لحبها. لقد حاول فلوبير أن يدفع قراءه إلى أن لا يتعاطفوا مع شارل إن لم يكرهوه، غير أن تلك المحاولة لم تنفع معي. لقد أحببت شارل بقدر ما أغرمت بإيما. ولكن غرامي بـ”مدام بوفاري” لا ينقص ولا يزيد بسبب المعاني أو التأثير النفسي الذي تمارسه تلك المعاني عليّ. كانت تلك الرواية ولا تزال تشكل بالنسبة إلي درسا عميقا في الكتابة التي يمكنها أن تكون حياة بديلة.

كاتب من العراق

15