"مدام كوراج" قصة رمزية تلخص الانفصال الاجتماعي في الجزائر اليوم

ضمن مسابقة قسم "آفاق" (أوريزونتي) بمهرجان فينيسيا السينمائي الـ72، عرض فيلم "مدام كوراج" للمخرج الجزائري المخضرم مرزاق علواش (71 سنة) والذي يعود بفيلمه هذا إلى المهرجان بعد عامين من عرض فيلمه السابق "السطوح".
الجمعة 2015/10/02
كاميرا عاكسة للشارع الجزائري اليوم

ليس من السهل معرفة ما يشير إليه اسم الفيلم الجديد للمخرج الجزائري مرزاق علواش “مدام كوراج” إلاّ بعد مشاهدته، فهو اسم نوع من المخدر الرخيص المنتشر في أوساط الشباب من العاطلين والمحرومين.

وتدور أحداث الفيلم في مدينة مستغانم، غربي الجزائر، وبطل الفيلم شاب مراهق لا يتجاوز السادسة عشرة من عمره، ينتمي إلى أسرة فقدت عائلها الذي كان عاملا بقطاع النفط في منطقة حاسي مسعود بالصحراء الجزائرية، والصبي يعيش الآن مع أمه وشقيقته في أحد الأكواخ القصديرية المنتشرة خارج الكثير من المدن الجزائرية.

هذا الشاب عمر، ينعكس عليه الإحساس بالقهر الاجتماعي بقسوة، وهو لم يكمل تعليمه، بل انضمّ إلى زمرة الشباب العاطل الذي يلجأ للسرقة وخصوصا خطف السلاسل الذهبية من أعناق النساء، ونشل حقائب اليد، ورغم خشونته فهو لا يستخدم العنف في أعمال السرقة السريعة التي يقوم بها.

وينجح عمر ذات يوم في خطف سلسلة ذهبية من رقبة فتاة تدعى سلمى كانت صحبة زميلاتها من طلاب الثانوية، لكنه يشعر بانجذاب قوي نحوها يدفعه إلى مراقبتها وتتبعها وإعادة السلسلة الذهبية إليها.

لقد أصبح عمر مغرما بسلمى، وأصبح يقضي الوقت جالسا أمام بيتها ينتظر أن تظهر في الشرفة، مما يؤدّي إلى تعرضه للعقاب الشديد على يد شقيقها الذي يعمل في الشرطة.

فقر ودعارة

نتيجة الفقر والفاقة والحرمان الاجتماعي، تمتهن شقيقة عمر صابرين الدعارة، وهي تستخدم جهاز كومبيوتر محمولا في التواصل مع “القواد” مختار الذي يدير شبكة للدعارة، وتعود إلى الكوخ الذي تقطن فيه مع أمها في ساعة متأخرة من الليل.

البطل عمر، ينعكس عليه الإحساس بالقهر الاجتماعي، وهو لم يكمل تعليمه، بل انضم إلى زمرة الشباب العاطل

تتعرض صابرين ذات ليلة لاعتداء عنيف من جانب مختار بسبب تقاعسها عن القيام بما كلفها به، بعد أن اكتفت بمضاجعة خمسة من الزبائن، بينما كان ينتظر مختار أن تعاشر ما بين 20 إلى 30 رجلا، كما يقول لها حرفيا.

يغضب عمر بعد رؤية شقيقته وقد شُوّه وجهها وأصبحت عاجزة عن الحركة، فيذهب يمارس مزيدا من عمليات السرقة، ثم يبيع المسروقات الذهبية إلى تاجر في السوق، ويشتري سكينا كبيرا وبعض العقاقير المخدرة، وينوي أمرا.

عمر يستخدم دراجة نارية ينتقل بها عبر أرجاء المدينة، ورغم فقره فلديه إحساس عال بذاته وبكرامته، فهو مثلا يعتدي بالضرب المبرح على شاب يسخر منه بعد أن رفض إعطاءه سيجارة. يفتقد عمر الشغب بعد أن يتعاطى جرعة من الحبوب المخدرة التي يطلقون عليها “مدام كوراج” أي “السيدة شجاعة”، اعتقادا بأنهـا تمنح مـن يتعـاطاها الشجـاعـة والجرأة.

يذهب عمر مسلحا بالسكين أو الساطور الكبير، تحت تأثير المخدر، لينتقم من مختار، فيصيبه إصابة مباشرة في عضوه الذكري، ثم يشتري بعضا من الطعام والشراب بما في ذلك قطعة من اللحم ويحملها إلى أمه وأخته، فتعرب الأم له عن شعورها بالفرح خاصة وهي ترى قطعة اللحم للمرة الأولى منذ شهور، وتطلق الزغاريد، ثم يذهب عمر للاحتفال بأنه قد أصبح “رجل البيت” بإطلاق الشماريخ النارية أمام منزل سلمى، فيعرض نفسه لغضبة أخرى من غضبات شقيقها الذي يقتاده إلى قسم الشرطة ويحقق معه ويضربه، ثم يطلق سراحه رأفة به بعد أن يعرف أنه يتيم.

علواش يصور البطل ضحية للثقافـة السائدة في المجتمع

لا تنتهي هذه القصة نهاية محددة بل يتركها مرزاق علواش مفتوحة ويترك عمر أمامنا مستلقيا أسفل درجات سلم بيت سلمى، ولا نعرف ما إذا كان نائما بفعل المخدر، أو أنه قد توفي تحت تأثير المخدر.

دراسة الشخصية

الفيلم عبارة عن دراسة للشخصية، على غرار أفلام الواقعية الإيطالية الجديدة، فهو يعتمد على التصوير الحرّ في الشوارع والمواقع الطبيعية، يمتلئ باللقطات الطويلة التي تتابع البطل أثناء وقوفه أو تحديقه رافضا تبادل أي حديث مع شقيق سلمى، وكثيرا ما يحصره المخرج في لقطات قريبة أو قريبة جدا (كلوز أب) أو يتابعه وهو يذرع الشوارع بدراجته النارية، بكاميرا مهتزة متحركة في حركة حرة، مضفيا الطابع التسجيلي على الفيلم.

كما توحي اللقطات المهتزة بالحالة العقلية للبطل الصغير إذ يتكشف تدريجيا خلله العقلي سواء نتيجة الإدمان أو جرّاء المعاملة الداخلية الصامتة، رغم ما يتمتع به من ذكاء فطري وقدرة على نشل الأشياء بمهارة من رقاب النساء، ثم الفرار بخفة. وفي أحد المشاهد يذهب عمر لشراء هاتف محمول، لكي يستخدمه ككاميرا يمكنه أن يلتقط بها الصور عن بعد لسلمى التي يغرم بها، دون أن يجرؤ على مفاتحتها في الأمر.

يذكرنا عمر هنا على نحو ما، بعمر في فيلم مرزاق علواش الأول “عمر قتلاتو” (عمر قتلته الرجولة) (1977) الذي كان سبب شهرة مخرجه. إلاّ أن البطل في “عمر قتلاتو” كان يعيش في دور الشاب “الشاطر” الذي يعرف كل شيء، ويمكنه التحكم في حركة الأشياء بالحي الذي يقيم فيه، يضبط إيقاع الأشقياء من حوله، لكننا نكتشف تدريجيا أنه شخص وحيد شقي عاجز، يعاني من الشعور بالنقص رغم ولعه بنفسه وتأمله صورته بلا انقطاع في المرآة كل يوم قبل خروجه من منزله للذهاب إلى عمله الذي لا يحبه، وتنقلب حياته رأسا على عقب عندما يلتقي بفتاة تدعى سلمى أيضا، لكنه يعيش في وهم الحب عاجزا عن إقامة علاقة سوية مع سلمى، فهو يكتفي بالعيش في الخيال الذي يخلقه في ذهنه.

أما عمر في “مدام كوراج” فهو فاقد للأمل، عاجز حتى عن العيش في الخيال، بل يفضل الغرق في غيبوبة المخدر الذي يمنحه الراحة ويضمن له الانسحاب تماما من الواقع. أما ولعه بسلمى فلا يبدو أنه سيوصله إلى أيّ شيء، بل سيجعله فقط عرضة لتنكيل شقيقها الشرطي به. يستخدم مرزاق علواش شخصية الفتى عمر، للتعليق الرمزي على ما يحدث في الجزائر اليوم من ارتباط بين سياسة الإقصاء الاجتماعي، وانتشار المخدرات والدعارة والعنف، وبين تعامل الرجال مع النساء، وبؤس الحياة الاجتماعية التي يعيشها الشباب.

وهو لا يدين بطلـه الصغير، بقدر ما يصوره كضحية للثقافـة السائدة في المجتمع، وللسياسة التي أدّت إلى وجود ملايين المهمشين من الذين يعيشون على هامش المدينة، بل ووصول العيش فـي المدينة إلى حافة اليأس الـذي ينذر بالانفجار.

اللقطات المهتزة توحي بالحالة العقلية للبطل الذي يتكشف خلله العقلي نتيجة الإدمان أو المعاملة الداخلية الصامتة

أمّا نماذج الشخصيات النسائية في الفيلم فجميعها سلبية تماما: سلمى التي لا تفهم ولا تريد أن تفهم دوافع عمر أو التعامل معه وإن كانت لا ترفض وجوده حولها، وصابرين التي ترضخ لقدرها كعاهرة تلقى معاملة فظة من “قوادها”، والأم التي لا تكف عن الشكوى من المصير الأسود الذي وجدت نفسها فيه بعد وفاة زوجها.

يحتوي الفيلم على الكثير من المشاهد التي تتميز بالتصوير الجيد والتي ترصد الحالة المتدهورة للمدينة، للمباني، الساحات العامة، الأسواق، الخرائب، المقابر. ويتمكن مدير التصوير أوليفييه غيربوا ببراعة من تصوير المشاهد التي تدور في منطقة الأكواخ القصديرية ليلا، إذ يخلق إضاءة واقعية، مستخدما مساحات الظلام السوداء مع الكاميرا المتحركة، مولدا إحساسا بالرعب مع أصوات نباح الكلاب الذي يتردد بلا توقف على شريط الصوت.

كما يحافظ على مسحة لونية مليئة بالشجن في سائر المشاهد النهارية ضمن الفيلم، وتكشف اللقطات القريبة لوجه عمر التي تركز فيها الكاميرا طويلا عليه، عن ذلك الجنون الحالم الذي لا نعرف هل هو بسبب الحرمان أو الإدمان؟

الخطاب الديني

كما في فيلمه السابق “السطوح”، يستخدم علواش على مدار الفيلم، أصوات الآذان الصادرة من المساجد، ويصور والدة عمر وهي لا تكف عن الاستماع إلى البرامج الدينية بصوت “الدعاة الجدد” في مصر، وهي برامج تمتلئ بالكثير من التفسيرات المتخلفة المضحكة التي لا أصل ولا أساس شرعيا لها، ومنها ما يتعلق بموضوع المتعة والخمر والنساء وغض البصر، مع بعض الاقتباسات من الإمام الأوزاعي الذي اندثر مذهبه وأعاد السلفيون الجهاديون حاليا إحياء بعض تعاليمه وفسروها حسب هواهم، ومع ذلك لا نعرف هل هذا ما يبثه التلفزيون في الجزائر؟

في أحد المشاهد يعترض عمر على ما تستمع إليه أمه من برامج التلفزيون ويهددها بتحطيم الجهاز، ليس احتجاجا على مضمون البرامج التي تستمع إليها، بل كعقاب لها على تدخلها في شؤونه.

وإذا كان علواش قد ربط في فيلم “السطوح” بشكل مباشر بين الخطاب الديني والتخلف الاجتماعي في الجزائر، فهو هنا يربط بين الفقر والفاقة والمرض وغياب الدولة، وبين ما يتردد من أحاديث ونصائح دينية متخلفة تسيطر على عقول البؤساء من البشر، ولكن الإفراط في الربط بين الآذان وبين بطله مدمن المخدرات، يبدو مقحما، ولا ينجح في بلورة الفكرة.

16