مدخل آخر للإقامة داخل تجربة الشاعر توماس ترانسترومر

الخميس 2015/04/02
شاعر يعود دائما إلى معجم الطبيعة

بيروت - لم يكن خبر موت توماس ترانسترومر ليعنينا، أو حتى ليصلنا، لو كان قد حدث قبل أربع سنوات، قبل دخوله سجلّ النوبليين. الشاعر السويدي الأكثر حضورا في العالم الثقافي الأسكندنافي قضى 79 سنة من عمره، الذي سيمتدّ حتى الـ83، بعيدا عن الأضواء العالمية وصخب اللغات والصحف التي ستكتشفه مع تتويجه بالجائزة الأدبية الأرفع عام 2011.

قبل هذا التاريخ، كان الرجل، الذي رحل قبل أيام في ستوكهولم، منصرفا إلى عناصر حياته الشعرية إلى حدّ بعيد. حياة مفصّلة على مقاس شاعر لم يبدُ أنه طامح إلى بناء عوالم ومشاريع وأحلام خارج المتخيّل واللغة. عالم مؤلّف من طبقات طرية وندية من عناصر الطبيعة التي لا يحتاج الشاعر إلا إلى تمريرها، بخفة، في اللغة، لتصبح شعرا وصورا واستعارات. أطل علينا الشاعر، عربيا، بدءا من 2003 بترجمة لقصائد مختارة من تجربته “ليلا على سفر”، ترجمة علي ناصر كنانة، عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر”) تلتها ترجمة أوسع، عام 2005، شملت أعماله الكاملة (حتى ذلك الوقت) وضعها، بجودة، قاسم حمّادي.

رغم هذا الحضور في مكتبتنا إلى أننا لم نعط صاحب “الذكريات تراقبني” حقه من القراءات والاطلاع، حتى حصوله على “نوبل”. وعلى أي حال، ربما نجتمع في حال علاقتنا الـ”ما قبل نوبلية” الضعيفة بهذا الشاعر مع كثير من البلدان والثقافات التي لم تكن حال معرفتها به، قبل الجائزة، كحالها بعد أن نالها.

غير أننا لسنا “المذنبين” الوحيدين في هذا التقصير. الشاعر، نفسه، يلعب دورا في هذا المجال. معجمه الغريب عنا، (شديد الأسكندنافية؟)، الرعوي والمديني في آن، وعلاقته المختلفة بالمتخيل اللغوي، أو رؤيته الخاصة في شعرنة العادي -وهو ما سينتبه إليه، لاحقا، أعضاء الأكاديمية السويدية- عوامل كانت تقف حاجزا بين تصورنا ومفهومنا الشائع للشعر والصورة الشعرية بين حساسية ترانسترومر المختلفة تجاه هذا الفن الكتابي.

إن الاختلاف الواسع في عوالم تراسنترومر الشعرية، بين قصائد تنبني من الطبيعة ومفرداتها الأكثر بعدا عن التطفل البشري، وبين المدينة وصخبها ومطاعمها ومناديلها، هذا الاختلاف يدفع إلى البحث عن مدخل آخر للإقامة داخل تجربة هذا الشاعر.

لو كنا نجيد السويدية، ربما، لفعلنا ذلك. ربما يكمن سرّه في اللغة. إذ أن قراءة عربية أو أنكليزية أو فرنسية، لشعره، ستحيلنا إلى الخلاصة نفسها: شاعر يدعو العالم إلى ماكينته الخاصة، إلى غرفته السرية، ثمّ يخرجه منها ملوّنا وحياديا ومختلفا ومجسّدا في أشكال وتعبيرات لم يكن بوسعنا تخيّلها.

14