مدرسة الخلاعة

الخميس 2017/06/22

هذه رواية نادرة في تاريخ السرد العالمي كتبها ماركيز دي ساد عام 1785 أي قبل 232 سنة بعنوان (مدرسة الخلاعة ..أيام سدوم المئة والعشرون) وهو تاريخ بعيد جداً للفن الروائي في العالم لكنها رواية امتلكت شروط الفن السردي بمعطياته التي كُتبت فيها بل تعدّت ذلك إلى القرن العشرين متجاوزة زمنيتها بأشواط كثيرة، ومع أن الرواية أثارت وتثير إشكالات نفسية واجتماعية ودينية وقانونية إلا أنها رواية تخطّت أزماناً متعاقبة بعد عقبات كثيرة حالت دون نشرها بسبب إباحيتها وموضوعتها الجنسية التي تبعث على القرف والاشمئزاز فعلاً.

ومنذ ذلك التاريخ حتى اليوم لم يجرؤ مترجم عربي على فك ألغاز هذه الرواية إلى اللغة العربية سوى بعض الفصول القليلة المتناثرة التي تُرجمت متباعدة زمنياً من دون أن تحيط بها كلياً، لذلك ظلت هذه الرواية عصيّة على القارئ العربي طيلة أكثر من قرنين من الزمن، حتى تمكن المترجم العراقي كامل عويد العامري وبعد سنة ونصف السنة بجهد استثنائي من ترجمتها عن الفرنسية ترجمة كاملة وستصدر قريباً من إحدى دور النشر العربية.

وتسنى لنا الاطلاع على هذا العمل السردي المضني بترجمته الكاملة قبل الطبع وسيكون القارئ العربي على مواجهة مع هذه السردية الشهوانية الإباحية بخلاعتها غير المعهودة والتي تسبب الأذى النفسي في امتحان هذه الرواية مع ذائقة العربي المشرّبة بالممنوعات الكثيرة، لكن هذه الرواية التي أجتُرِح منها مصطلح “السادية” في علم النفس نسبة إلى المؤلف “دي ساد” ستكون رواية الجريمة الجنسية الوحشية التي تبحث شخصياتها عن اللذة باندفاعات قهرية غير سوية حينما يكون التعذيب والهوس بالقتل أحد وسائل المتعة القصوى ليكشف دي ساد حالة مجتمعية مفرطة في المجون والتهتك والجريمة، خلافاً لقواعد الحياة الدينية والنفسية والسوية، وبذلك تسجل الرواية رصداً غير مسبوق لحياة النبلاء السرية في القرن السابع عشر فاضحة طبقات الأثرياء الذين يتعاطون العنف بتدنيس المقدس دينياً وروحياً في واحدة من السرديات الكبرى التي لا سابق لها في الكتابات الروائية والأجناس الأخرى، ولا نظن أن أحداً قادرٌ على الكتابة بمثل هذا الهوس المجنون بالجنس العنيف وقذاراته التي لا تخطر على بال أحد بطريقة احترافية غير مسبوقة، ومع أن المصادر الفرنسية ترى بأن مدرسة الخلاعة في أيامها المئة والعشرين تقع ضمن تجارب دي ساد الشخصية المولع بممارساته العنيفة مع النساء كصاحب فضائح كثيرة أدّت إلى أن يُسجن عدداً من المرات، إلا أنها سردية مجتمعية متمردة على الدين والأخلاق العامة ومدرسة كاشفة بمجاهرها المتعددة للنوع السياسي والاجتماعي والديني والطبقي لفرنسا في قرنها السابع عشر.

ظلت هذه السردية المثيرة غير منشورة حتى القرن العشرين وكان دي ساد قد خبّأ المخطوط في ثغرة بجدار زنزانته قبل أن ينقل إلى سجن آخر، ومات في 1814 وهو يظن أن المخطوط ضاع خلال تدمير سجن “الباستيل” إبان الثورة الفرنسية. لكن المخطوط يبدو وقد تعرض إلى بيع وشراء على مدى ثلاثة أجيال تناوبت في الحفاظ عليه حتى استقر عند السويسري جيرار نوردمان المولع بجمع الكتب الإباحية المثيرة والنادرة. ولكن بعد معركة قضائية طويلة استعادت فرنسا هذه المخطوطة التي تعدّها ثروة أدبية لا يمكن الاستغناء عنها مهما قيل بحقها.

ستكون هذه الرواية جاهزة في المكتبات العربية قبل نهاية 2017 وسيُتوج جهد المترجم كامل العامري بطبعة استثنائية توازي ثمانية عشر شهراً من الترجمة والتدقيق القاموسي بلغة القرن السابع عشر وتحويلها إلى لغة استثنائية أيضاً تواكب المعطيات اللغوية للعصر الحديث باشتقاقاتها الكثيرة لنقرأ جميعاً هذه المدرسة السردية الغريبة بموضوعها ومحتواها الجنسي-الإجرامي العنيف الذي أسس لمدرسة السادية في علم النفس.

كاتب عراقي

14