مدرسة الرقاب بتونس: حكم قضائي يؤكد حقيقة الإرهاب ويفند التبريرات الانتقائية

الحكم يمثل انتصارا للأصوات التي رأت في تلك المدارس القرآنية خطرا على البلاد وأمنها من منطلق أنها أولا خارجة عن سيطرة الدولة، و تتيح تسريب الأفكار المتطرفة.
السبت 2019/07/20
خطاب التطرف يفشل في اختراق أسوار المجتمع التونسي

أعاد الحكم القضائي الذي صدر الخميس الماضي ضد أحد المتهمين في مدرسة الرقاب القرآنية، وقضى بسجنه 20 عاما في قضية اغتصاب، السجال الذي اندلع في شهر فبراير الماضي، حول الانتهاكات والتجاوزات التي ارتبطت بتلك المدرسة القرآنية، وهو ما فتح آنذاك جدلا كبيرا حول الجمعيات الدينية والقرآنية، الخارجة عن سيطرة الدولة، وتأثيرها على بث الأفكار المتطرفة.

  تونس – قضت المحكمة الابتدائية بمدينة سيدي بوزيد، في جنوب تونس، بسجن أحد حفظة القرآن والملقنين 20 عاما لاغتصابه طفلين في مدرسة “الرقاب القرآنية” المتورطة في الاتجار بالأطفال واستغلالهم جنسيا، في قرار لقي تأييدا شعبيا وحقوقيا واعتبر انتصارا ضد توجهات ترمي لضرب البنية التحتية للبلاد من خلال استهداف الأطفال والشباب والتشكيك في القيم التي بنيت عليها الدولة التونسية الحداثية.

وقال المسؤول القضائي جابر الغنيمي بمحكمة سيدي بوزيد إن المتهم في المدرسة الدينية متورط في قضيتي اغتصاب ضد طفلين من بين الأطفال الذين يتلقون دروسا دينية، ولكن يجري استغلالهم أيضا لأهداف اقتصادية. وأوضح الغنيمي، أن “المتهم هو تلميذ وملقن وحافظ للقرآن، تبين تورطه في ارتكاب جرائم اغتصاب أطفال، وهو متورط في قضيتي اغتصاب”.

وتابع الغنيمي “صدر حكم ابتدائي في الأولى بالسجن 20 عاما، أما الثانية فهي في انتظار قرار دائرة الاتهام بعد انتهاء التحقيق بشأنها”.

يذكر أنه تم الكشف عن انتهاكات صادمة في “مدرسة الرقاب الدينية”، وهي مدرسة كائنة بمنطقة نائية في مدينة الرقاب التابعة لمحافظة سيدي بوزيد، عبر تحقيق استقصائي تلفزيوني في فبراير الماضي. وأعلنت وزارة الداخلية إثر بث التحقيق، عن عثورها في المدرسة التي تتبع جمعية دينية، على العشرات من الأشخاص من الأطفال والبالغين، أغلبهم منقطعون عن الدراسة ويقيمون في ظروف متدنية، كما أفادت بتعرضهم للعنف وسوء المعاملة والاستغلال في مجال العمل الفلاحي وأشغال البناء وأفادت بتلقيهم أفكارا وممارسات متشددة.

وكانت رئيسة الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص (حكومية) روضة العبيدي أكدت عقب الكشف عما عُرف بملف مدرسة الرقاب القرآنية خلال شهر فبراير الماضي، أن الأطفال الذين عُثر عليهم في المدرسة تعرضوا للاغتصاب والضرب المبرح وأجبروا على تناول أطعمة منتهية الصلوحية بهدف ”مجاهدة النفس”.

وأوضح الغنيمي أن صاحب المدرسة يواجه تهم الاتجار بالأشخاص لمن سنهم أقل من 15 عاما وكذلك الاستغلال الاقتصادي والتشغيل القسري وتبييض الأموال إلى جانب تهمة الانتماء إلى تنظيم إرهابي تشمل أطرافا أخرى على علاقة بالمدرسة. ويقضي صاحب المدرسة حاليا عقوبة السجن خمسة أشهر لاتهامه بالزواج على غير الصيغ القانونية (زواج عرفي) كما تم الحكم على شريكته بالسجن لثلاثة أشهر.

وأغلقت المدرسة على الفور بعد الكشف عن الانتهاكات فيما تم نقل الأطفال المتضررين إلى مراكز رعاية قبل السماح لهم بالعودة بعد ذلك إلى عائلاتهم.

انتهاكات صادمة في "مدرسة الرقاب الدينية"
ٍانتهاكات صادمة في "مدرسة الرقاب الدينية"

وانتشرت بعد انتفاضة عام 2011 المدارس والجمعيات القرآنية بشكل واسع مستفيدة من مناخ الحرية، غير أن الحكومة بدأت بحملة تعقب للجمعيات ذات التمويل المشبوه أو المتورطة بنشر التطرف، وأمر القضاء بإغلاق بعضها بعد سلسلة من الهجمات الإرهابية الدامية التي تعرضت لها البلاد.

وتجدر الإشارة إلى أنه صدر مؤخرا بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية قرار بتاريخ 21 يونيو الماضي، يقضي بتجميد أموال وموارد اقتصادية، تخصّ الجمعية القرآنية “ابن عمر” بالرقاب من محافظة سيدي بوزيد، وآخر يخص ممثلها القانوني فاروق الزريبي، الذي تعلّقت به تهمة استغلال فضاء سجّل عديد التجاوزات ويمثّل مصدر تهديد مباشر على السلامة الماديّة والمعنويّة للأطفال، عبر زرع أفكار التطرّف الديني والتعصّب والكراهيّة.

يذكّر الحكم الذي صدر ضد المتهم بالاغتصاب بالمدرسة القرآنية بالرقاب، بالجدل الذي اندلع آنذاك حول واقع المدارس القرآنية، التي انتشرت بعد الثورة، وهو واقع كان بمثابة الشجرة التي تخفي غابة الانفلات الديني الذي تسبب، بدوره، في انتشار التطرف والكراهية والإرهاب وسهل التسفير نحو بؤر التوتر (نحو ليبيا وسوريا وبدرجة أقل نحو اليمن).

في السجال الذي اندلع حول المدارس القرآنية، اندفعت بعض الأصوات المدافعة عن تلك المدرسة ومثيلاتها، من منطلقات دينية (ضرورة تدريس القرآن واعتبار غلق المدرسة بمثابة حرب على القرآن والإسلام)، أو من منطلقات حقوقية، من نوع اعتماد نقاش جانبي حول ظروف وكيفية إيقاف المتهمين، أو حول التشهير بالضحايا القصر وكانت منظمة العفو الدولية دخلت على الخط آنذاك للتعبير عن قلقها عمّا بلغها من شهادات الأطفال الذين اتصلوا بآبائهم عبر الهاتف حول تعريض عدد منهم لفحص شرجي في إطار التحقيق في شبهة اعتداءات جنسية و”هو أمر بالغ الخطورة يمثل انتهاكا صارخا لالتزامات تونس بمقتضى الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل”.

لكن الحكم الأخير مثّل انتصارا للأصوات التي رأت في تلك المدارس القرآنية خطرا على البلاد وأمنها من منطلق أنها أولا خارجة عن سيطرة الدولة، وأنها تسمح أو تتيح تسريب الأفكار المتطرفة ثانيا، هذا إضافة إلى ما تخفيه من ارتباطات وتمويلات وصلات مع جماعات إرهابية.

ولا شك أن الحكم القضائي الجديد مثّل تفنيدا لكل محاولات الدفاع أو التبرير، فضلا عن كونه توصل إلى تأكيد جزء مما أشارت إليه التقارير والبرامج التلفزيونية، التي أشارت إلى ما كان يجري في المدرسة من انتهاكات من قبيل الزواج على غير الصيغ القانونية، والاغتصاب واستغلال الأطفال والتشغيل القسري وتبييض الأموال.

لم تكن قضية مدرسة الرقاب في مطلع شهر فبراير الماضي، مجرد قضية مدرسة قرآنية، بل كانت قضية أمنية وسياسية بالدرجة الأولى. حيث أتاحت القضية التعرف على واقع المدارس الدينية الخارجة عن السيطرة، وما تخفيه وراءها من جمعيات دينية ومساجد تمثل همزة وصل مع التنظيمات الإرهابية. ولذلك فإن التعامل مع القضايا الأمنية والسياسية يجب أن يكون من نفس نوع الخطر الذي تمثله، ولعل ما أكد ذلك أن السلطات التونسية اكتشفت بعد التقرير التلفزيوني الذي أماط اللثام عن تلك المدرسة المعسكر، وجود العشرات من المدارس المشابهة في مناطق مختلفة من البلاد.

يذكر أن تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي لم يتأخر في “الإسهام” في الجدل المتصل بمدرسة الرقاب غير القانونية، وأصدر بيانا يوم 12 فبراير، أياما قليلة بعد الحادثة، حمل عنوان “الحرب على الإسلام في تونس والجزائر.. إلى متى السكوت”، وكان بيانا متطرفا أكد حقيقة تلك المدرسة وما تخفيه العديد من الجمعيات والمنظمات.

7