مدرسة المشاغبين

الأربعاء 2014/10/08

وأخيرا صرنا ديمقراطيين كما لم نكن أبدا في السابق، نبدو كتلامذة مشاغبين في مدرسة خلت من المدير والناظر والمدرسين، فقط هناك شياطين ترقص، ومغفلون يسايرون الوضع، وآخرون يتابعون المشهد عن بعد.

والجميع يحلم إما بثروة تنزل من السماء، أو بثروة تنبعث من تحت الأرض، أو بثروة تأتي مع الرياح لترتمي تحت أقدام الكسالى، فالديمقراطية عندنا تعني أن الشعب يطلب والحكومات تنفّذ، وباب الشتيمة والسباب واللعنات وهتك الأعراض مفتوح على مصراعيه، والفوضى قائمة، والقانون نائم في سبات عميق، والدولة بلا حرمات، والإرهاب يتجوّل في الشوارع.

ومن علامات نعمة الديمقراطية ما قرأته في موقع إلكتروني من أن هناك دعوة صريحة لزعيم يساري مترشح للانتخابات، ليستظهر بشهادة من دار الإفتاء تثبت أنه مسلم وبشهادة طبية تثبت أنه مختون، ولا أدري لماذا لم يطلبوا منه أن يكون صريحا أكثر مع الشعب، ويكشف عن وضعيته أمام الجماهير في اجتماع خطابي مثلا.

ومن بدائع الديمقراطية أن قائدا ميليشيا في إحدى دول الربيع العربي، قال أمام كاميرا التلفزيون إنه وجماعته لن يترددوا في صفع أي رئيس حكومة أو وزير لا يعجبهم، وضربه بالكف إلى أن يكف عن معاكسة رغباتهم، وقال آخر: “نحن الثوار، نحن أهم من الدولة، وفوق المجتمع، وقبل الشعب، والديمقراطية التي لا تعطينا هذه الوضعية، ليست ديمقراطية”.

وقد حدثني أحد الأصدقاء عمّا هو أشنع، ففي بلاد الغرائب والعجائب تلك، تم خطف عدد من نواب الشعب وتصويرهم عراة، وفي مواقف مخجلة جدا جدا، ثم قيل لهم “إياكم ورفض ما يعرضه عليكم الإخوان، لأن النتيجة ستكون نشر الصور والفيديوهات على الإنترنيت”.

وطبعا، هناك من يذكر ما حدث في ليبيا عندما تم خطف رئيس الحكومة الأسبق من غرفة نومه وجره في بيجاما وشبشب إلى مكان مجهول، ثم عندما تعرض رئيس المؤتمر الوطني العام للخطف والتحقيق معه من قبل الميلشيات، ونشر الجزء الأول من التحقيق، ثم مساومته على الجزء الثاني الذي يقال إن ثمنه وصل إلى 15 مليون دولار، نظرا لما تضمّنه من تصريحات غاية في الديمقراطية.

وهناك من يذكر ما حدث في تونس من رشق الرئيس بالحجارة، ومن التشكيك في مداركه العقلية، ودعوته إلى الاستظهار بملف صحي يثبت أنه قادر على تسيير شؤون البلاد.

ومن يتابع ما تنشره مواقع التواصل الاجتماعي يوميا من أخبار مفبركة، ومعلومات مزيفة، وصور مركّبة، وأكاذيب مصنّعة، وشتائم ولعنات وفضائح، سيصطدم بهول هذا السيل الجارف من سوء الخلق الذي تجاوزنا فيه بقية الشعوب من سكّان الشمال والجنوب.

حتى أن كل من يحترم نفسه ولو قليلا يترك الجمل بما حمل، ويهجر السياسة والشأن العام، وينزوي في الركن البعيد الهادئ، فالديمقراطية عندما تعني عدم الاحترام، والضرب تحت الحزام، والدوس بالأقدام، وإذلال المسؤول قبل انتخابه، ثم إذلاله بعد انتخابه، والإبقاء عليه في حالة الذليل المهان،

إلى أن يلعن اليوم الذي دافع فيه عن ديمقراطية، لا تليق إلاّ بمدرسة المشاغبين الذين شدوا وثاق المدير وسحلوا الناظر وأطردوا المدرّسين وأعلنوا دولتهم.

24