مدرسة المشاغبين العراقيين الجديدة

الأحد 2016/04/17

العالم الخارجي الذي تفرج على ما حدث في العراق في الأيام الأخيرة نوعان، الأول اعتبرها بداية إصلاحية لا بد لها أن تؤدي إلى حلحلة العقدة، وأن تفتح الباب للتغيير المنتظر، رغم (جنونيّتها) و(شوارعيتها). والثاني اعتبرها مسخرة (محاصصية) مبتكرة من إنتاج الشلّة السياسية العراقية المشاغبة بتفصيل وتخييط من العنكبوتين الكبيرين الممسكيْن بالعراق، رئاساتٍ ثلاثا، وبرلمانا، وحكومة، وشعبا أيضا.

والحقيقة أن ما شهده المستنقع السياسي العراقي الآسن، من أول ظهور تقليعة التكنوقراط وإلى مدرسة المشاغبين النوابِ العراقيين، وخلعِهم رئيسَهم، وتهديدهم بخلع رئيس وزرائهم حيدر العبادي، وربما رئيس جمهوريتهم المعصوم، ليس سوى صيف عراقي حار جدا، ولكنه اعتيادي في العراق ولا جديد فيه.

ويلخص رئيس الوزراء السابق المتهم الأكبر بالفساد وإساءة استخدام السلطة نوري المالكي معارك السيوف الخشبية التي يتقاتل بها سكانُ المنطقة الخضراء بخطابٍ تاريخي هائل يقول فيه إن المطالبة بحكومة تكنوقراط مؤامرة دولية وعربية ومحلية ليست للإطاحة بالأحزاب الإسلامية فقط، بل لشله وقلع الإسلاميين من الحكم، والشيعة منهم بشكل خاص.

وهي كذلك. وصدق المالكي هذه المرة. فالشارع المنتفض الذي اكتشف السرقة أخيرا، وعرف السارق، وأحصى أنواع المسروقات وأعدادها وتفاصيلها آمنَ بأن جميع من دار، وما زال يدور، في فلك (الديمقراطية العراقية الجديدة) التي غرس بذورها الطاووس الأميركي بول بريمر، وتولت إيران سقيها ورعايتها وتقليمها وحصاد ثمارها، من عام 2003 وحتى يوم أمس، صغيرا كان أو كبيرا، شيعيا أو سنيا، عربيا أو كرديا، مسلما أو مسيحيا، يمينيا أو يساريا، أميركيا أو إيرانيا أو سعوديا أو قطريا أو كويتيا أو تركيا، لا يصلح للتصليح، ولا للتمسيح. لا للترقيع، ولا للتلميع،. بل لا يستحق غير القلع والشلع، وحرث الأرض من جديد، وإنبات شجر آخر لا يمتّ بأيّ صلة، قريبة أو بعيدة، مباشرة أو غير مباشرة بالطبخة الشائطة الأميركية الإيرانية التي لم يعد في الإمكان قبول أيّ محاولة لإعادة إنتاجها بثياب جديدة أو وجوه جديدة من داخل شبكة العنكبوت.

فالنواب الذين اعتصموا وخلعوا رئيسهم باسم التكنوقراط والإصلاح الشامل الكامل هم أنفسُهم نواب الكتل الإسلامية الشيعية والسنية والقومية العربية والكردية الحاكمة الذين اختبأ أغلبُهم تحت قبة هذا البرلمان اثنتيْ عشرة سنة. وهم الذين منحوا الثقة لأول وزارة (سيادية) عراقية برئاسة إياد علاوي دشنت الاختلاس، وأنتجت أهم وأكبر اللصوص والمختلسين، وزير داخليتها نوري البدران (وهو صهر رئيسها إياد علاوي)، وحازم الشعلان وزير دفاعها، وأيهم السامرائي وزير كهربائها، ولؤي حاتم العرس وزير نقلها. ثم هم أنفسهم الذين أجازوا وزارة إبراهيم الجعفري التي لم تبزّ سابقتها في العبث بالمال العام، و(تطييف) الدولة، وشرعنة غض النظر عن التهجير الطائفي والقومي والديني، وعن تفريخ الميليشيات وحروب الطوائف المسلحة. وهم أنفسهم الذين بصموا بالعشرة لوزارة نوري المالكي الأولى، ووزارته الثانية، وسكتوا ثماني سنوات عن مبتكراته في زرع الفتنة الطائفية والقومية والدينية والمناطقية بين العراقيين، وإيقاظ الأحقاد النائمة من ألف وأربعمئة عام، وإعلانه عن بدء حرب أحفاد الحسين ضد أحفاد يزيد، وتفليسه خزانة الدولة، وتجييره الأرض وما عليها وما تحتها لوليه الفقيه. بل هم أنفسهم الذين صفقوا له ولحزبه ولائتلافه (دولة القانون)، حتى بعد أن أعلن صراحة وعلى الملأ تلك الجريمة الشنعاء بحق الديمقراطية والديمقراطيين، (ما ننطيها).

ويكفي أن يكون أحدَ أشد المجلجلين من قادة النواب المعتصمين، وأكثرَهم حماسة للإصلاح الشامل، وإقالة الرؤساء الثلاثة، ونبذ الطائفية، وإسقاط المحاصصة، ومحاكمة الفاسدين، هو مشعان الجبوري.

والأشدُّ من مشعان الجبوري حماسة وصمودا واعتصاما في البرلمان هم نوابُ حزب الدعوة والتيار الصدري والفضيلة ومنظمة هادي العامري.

بالمقابل يرسل رئيس المجلس الأعلى الإسلامي عمار الحكيم إلى نواب كتلته في البرلمان رسالة نصية يأمرهم فيها بعدم التعاطف مع النواب المعتصمين، ويسمّي اعتصام النواب “مؤامرة” هدفها إدخال العراق في دائرة الفراغ الدستوري المغلقة.

وللعلم فقط، فقبل أيام أعلن عمار الحكيم نفسُه أنه سيقوم بمنح مبلغ 50 ألف دينار للرجل المشارك في التظاهرة المليونية التي كان يعتزم تسييرها في بغداد، و75 ألف دينار للمرأة المشاركة، وذلك لكي (يخفف) عنهم عبء مصاريف النقل والمعيشة.

كما دعا وزارة النقل إلى المشاركة في مليونيته، وتحمل نقل المتظاهرين بسيارات أجرة صغيرة على نفقة الوزارة، ليُلقي فيها (سماحته) خطابا “تاريخيا ومفصليا” بشأن الإصلاح والتعديل الوزاري والمبادرة التي طرحها لـ”إنقاذ العملية السياسية”.

وقد نقلت صحيفة الشرق الأوسط عن قيادي في المجلس الأعلى الإسلامي قوله إن سماحته حصل على تأييد إيراني رسمي للمبادرة الشاملة التي طرحها عمار الحكيم لحلّ الأزمة الراهنة.

والأهم من كلّ ما في دعوة الحكيم حثُه رؤساء الكتل الحاكمة والقادة السياسيين على “اللجوء إلى الحوار فيما بينهم، وعلى عدم إخراج الصراع السياسي منهم إلى الشارع، تفاديا، في رأيه، لما سوف تترتب على ذلك من نتائج سلبيّة خطيرة”.

وهنا تكمن الحقيقة الغائبة. فإيران، ومعها وكلاؤها العراقيون، ترى ضرورة الاعتصامات (الصدرية) و(الحكيمية) و(النوابية) للتشويش على اعتصامات الشارع العراقي، وبالأخص شارع الطائفة التي يحكم عمار والمالكي والصدر والعامري باسمها، وهو ما يهدد بنزع قفازها الشيعي الذي دخلت به العراق، وجعلته واحدة من مستعمراتها، حسب ما ظل يتبجح به أكثرُ من واحدٍ من قادتها العسكريين والمدنيين، على مدى سنين.

وإيران أكثر من غيرها تدرك أن انتقال الصراع السياسي من البرلمان والحكومة وأحزاب التحالف الوطني، الشيعي الإيراني، إلى الشارع كارثة حقيقية تهدد وجودها في الصميم، وتمنح الفرصة لأميركا وحلفائها العرب والعراقيين للتدخل وصبّ الأموال والشعارات على المنتفضين للإجهاز على وجودها المهزوز في العراق. بعبارة أخرى أوضح لخوض حروب تكسير العظام التي يخوضها الجميع في العراق بالواسطة.

وليس عبثا أن يعلن نوري المالكي أن المطالبة بالتكنوقراط مؤامرة خطيرة ليس على الأحزاب الإسلامية الحاكمة وحدها، بل على الإسلام نفسه. وهي في نظره مؤامرة من أحفاد يزيد على أحفاد الحسين وعلى وليه الفقيه. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

كاتب عراقي

3