مدرسة المعلمين العليا- باريس قرنان من التميز العلمي والبحثي

الثلاثاء 2014/11/11
فضاء المدرسة يجمع بين جمال المعمار وراحة الفضاء الطبيعي

مدرسة المعلمين العليا أو المدرسة العادية العليا تسميتان لمؤسسة تعليم عال فرنسية عمومية واقعة في العاصمة باريس، مدرسة عريقة يعود تاريخ تأسيسها إلى عهد الثورة الفرنسية وقد اتخذت شكلها الحالي منذ عام 1820. المهمة الرئيسية لهذه المدرسة تتمثل في تبني تكوين ثقافي علمي عالي الجودة لإعداد طلبة موجهين نحو البحوث العلمية الأساسية أو التطبيقية وتكوينهم ليفيدوا بدورهم في التعليم الجامعي وفي أقسام التحضيري في المدارس الكبرى وكذلك في التعليم الثانوي وفي الخدمات الإدارية العمومية أو المؤسسات الخاصة.

تأسست المدرسة العادية العليا في باريس عام 1794، أثناء الثورة الفرنسية بموجب اتفاقية تنص على إنشاء المدارس العادية المخصصة للذكور وورد في الاتفاقية في ما يخص المدرسة العادية العليا-باريس: “سوف تقام في باريس مدرسة عادية والدعوة موجهة إلى المواطنين من كل جهات الجمهورية الحاصلين على تكوين في العلوم الأساسية لكي يتعلموا أساليب التعليم على أيدي أساتذة أكفاء في كل المجالات”. عام 1847 اختير نهج “إيلام” بجبال سانت جونفياف مقرا للمدرسة على مقربة من السوربون ومعهد فرنسا.

ومنذ أواسط القرن التاسع عشر احتضنت بحوث النخبة وقاد في رحابها العالم في الكيمياء والفيزياء لويس باستور بحوثه التي تعد نتائجها واكتشافاتها سابقة لعصرها. وظلت المدرسة لعقود تعتلي قمة المنابر الثقافية والعلمية الفرنسية، فقد لعبت دورا فعالا وشاركت في كل المحطات الفكرية الكبرى التي شهدتها فرنسا، من فضيحة درايفوس، إلى حركات وتنظيمات عشرية الثلاثينات، ومن ظهور العلوم الإنسانية إلى التيارات التقدمية في السبعينات من القرن العشرين.

يتم قبول الطلبة في المدرسة من خلال الترشح عبر الملفات أو عبر إجراء اختبار انطلاقا من مستويي السنة الثانية أو الثالثة من التعليم العالي

وتقف المدرسة وراء تكوين أجيال متتالية من موظفي الدولة ومن متقلدي المناصب العليا بها ومنهم وزراء منهم فيكتور دوري وجون جوراس وجورج بامبيدو، وهم من أشهر رجال الدولة الفرنسية.

المدرسة العادية العليا الحالية هي ثمرة إدماج المدرسة العادية العليا بنهج “ايلام” والمدرسة العادية العليا للفتيات عام 1985 وكان مقرها بادئ الأمر في منطقة “سيفر” ثم انتقلت إلى باريس، تختص هذه المؤسسة التعليمية في دراسات ما قبل مرحلة الدكتوراه، ومرحلة الدكتوراه وهي أيضا من أبرز مراكز البحث العلمي بفرنسا. وتضم 15 قسما تعليميا وبحثيا تغطي أهم الاختصاصات في الآداب والعلوم.

تمنح المدرسة العليا شهائد وديبلومات، منها الماجستير في البحوث والدكتوراه للمسجلين للحصول عليها، ويتم قبول الطلبة في المدرسة من خلال الترشح عبر الملفات أو عبر إجراء اختبار انطلاقا من مستويي السنة الثانية أو الثالثة من التعليم العالي. خريجو المدرسة يضمنون حظوظا وافرة في الحصول على شغل لأنها ذات سمعة وشهائدها مشهود بجودتها عالميا من حيث التميز في البرامج وفي اختصاصات متنوعة والانفتاح على المستوى العالمي للتعليم والبحث.

وتعتبر المدرسة العادية العليا فاعلا مركزيا في تكوين النخب الفرنسية منذ قرنين، وهي الفضاء الذي انطلقت منه معظم الحركات الفكرية في القرن العشرين. مساهمتها في التميز العلمي الفرنسي مُعتبرة لأن كفاءتها في التكوين والتعليم تميزُها عن نظيراتها في فرنسا وقد ضمت ضمن قدماء طلبتها ثمانية حاصلين على جائزة فيلدز الفرنسية و13 من المتحصلين على جائزة نوبل.

ولأنها من أكبر المدارس في البحوث الجامعية فقد صنفتها “التايمز هاير ايديكيشن 2014-2015” بين أفضل 100 جامعة في العالم وهي المؤسسة التعليمية الفرنسية الوحيدة في هذا التصنيف، كما حلت في المرتبة 24 حسب تصنيف “كيو إس” لأفضل الجامعات في العالم لعام 2014-2015.

التكوين أو التعليم عبر البحوث أصبح العلامة المميزة للمدرسة العادية العليا وهي إحدى طرق تحضير فكر الطالب وإعداده ليكتسب القدرة على التجديد والخلق، وهو ما حقق إشعاعها على المستوى العالمي وأكسبها شهرة واسعة النطاق، فكثير من الطلبة الأجانب يتابعون فيها جزءا أو كل تعليمهم الجامعي. كما تستقبل المدرسة، بالإضافة إلى الطلبة الأجانب، أساتذة وباحثين أجانب، وهي تتيح لطلبتها الحصول على شهادتين أو ديبلومين في آن أو دكتوراه مشتركة وبرامج بحث تقام بالاشتراك مع شركاء أجانب.

المدرسة تعتبر فاعلا في تكوين النخب منذ قرنين، وهي الفضاء الذي انطلقت منه معظم الحركات الفكرية في القرن العشرين

تستقبل المدرسة في فروعها الأربعة أكثر من 2700 طالب، منهم 650 طالبا مسجلا للحصول على شهادة الدكتوراه، وتضم أكثر من 300 طالب أجنبي من 46 بلدا وهم يتابعون فيها دروس المراحل العليا والماجستير، وتقدم 60 اختصاصا في الماجستير المشترك مع عدد من الجامعات و23 مدرسة دكتوراه، وتدرّس فيها 17 لغة حية، منها الصينية والسويدية والفارسية، وهو خيار يعود إلى انفتاحها وشراكاتها الكثيرة مع عديد الجامعات ومراكز البحث، كما أن مراكزها البحثية تجتذب عديد الباحثين والجامعيين.

أكثر من 1000 أستاذ وباحث فرنسي و200 أجنبي يعملون في مناخ من التعاون وينشطون الحياة العلمية والبيداغوجية في المدرسة، بالإضافة إلى 430 عاملا وموظفا. وتحتضن المدرسة 40 وحدة بحثية وأكثر من 100 فريق بحث وهو ما يدل على الأهمية التي توليها للبحوث وسعيها لتسخير البنية التحتية والرصيد البشري اللازمين لذلك، وتستقبل مخابرها أكثر من 300 باحث أجنبي وتكون 650 طالبا في شهادة الدكتوراه 400 منهم مختصون في العلوم و250 في العلوم الإنسانية والاجتماعية، كما توفر المدرسة حوالي 850.000 مرجع علمي وأدبي، وهي متاحة لمن يرغب في الاطلاع عليها واستخدامها في 12 مكتبة.

17