مدرسة عتيقة ترتل القرآن بين سفوح جبال الأطلس

الأربعاء 2014/10/29
لا تزال المدرسة تعتمد أساليب تدريس تقليدية مثل اللوحات الخشبية

دمنات (المغرب)- تتعالى أصوات تلاوة القرآن بمدرسة “بوحلو” الخاصة للتعليم العتيق، حيث تصل هذه الأصوات إلى مسافات، فيما يردد الجبل المتاخم للقرية صداها، وكلما تجاوزت وعورة الطريق الضيّق إلى قرية أمليل في عمق جبال الأطلس (وسط المغرب)، أين يقل رجع الصدى ويزداد الصوت وضوحا إلى أن تصل لمشارف المدرسة.

يدرس في مدرسة “بوحلو” العتيقة بقرية أمليل المغربية، حاليا 130 “إمحضارن”، وهي كلمة أمازيغية تقابلها في العربية “طلاب”، ويتوزع هؤلاء على خمسة مستويات حسب ما يحفظون من القرآن الكريم، ولا قيمة للسن في هذا التصنيف؛ فمجموعة واحدة يمكن أن تضم طفلا لا يتجاوز عمره خمس سنوات وشابا في عقده الثالث.

وظلت هذه المدرسة طيلة عقود من الزمن، تعتمد أساليب تقليدية عتيقة في تلقين العلوم الشرعية دون أن تنفتح على باقي العلوم، وقد استمر هذا الوضع حتى مطلع القرن الحادي والعشرين.

لكنها عرفت مبادرات تجديد خلال فترات عدة من تاريخها، ومن ذلك ما قام به الفقيه (العالم) الحاج عمر الربيب عام 1987، بحسب ياسين أوفور، الذي يعمل حاليا كأستاذ في المدرسة.
لا قيمة للسن في مدرسة "بوحلو"

وقال أوفور، وهو أحد خريجي هذه المدرسة، إن “بوحلو” كانت عبارة عن صالة للصلاة، ومسيدا (دار صغيرة لتحفيظ القرآن) لتحفيظ القرآن للأطفال طيلة فترة الاستعمار الفرنسي التي امتدت من عام 1912 إلى 1955.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، وتحديدا في العام 1987، تحولت إلى مدرسة للتعليم العتيق على يد الربيب، الذي قدم إلى “بوحلو” بعد تلقيه العلوم الشرعية على يد علماء بارزين في منطقة سوس (جنوب)، الشهيرة بخبرتها الطويلة في مجال التعليم العتيق، لتكتسب المدرسة زخما جديدا بوجود هذا العالم في القرية، بحسب أوفور.

وقد بلغت عمليات تجديد وترميم المدرسة أوجها، عقب زيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس لها عام 2001، بعد نحو عامين من اعتلائه كرسي الحكم.

وفي العام 2006، امتد التجديد إلى طريقة التدريس ومناهج التعليم، حيث صار التعليم فيها يتم وفق برنامج خاص يجمع بين العلوم الشرعية، وعلى رأسها علوم القرآن والحديث النبوي الشريف، والعلوم الأخرى وتسمى هنا بـ”مواد الثلثين”، وهي الرياضيات واللغة الفرنسية، في حين يدرّس فقهاء لـ”إمحضارن” العلوم الشرعية، كما ألحقت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أربعة أساتذة بالمدرسة لتعليم الرياضيات واللغة الفرنسية.

وتبدو الأيام في “بوحلو” متشابهة وتصل حد التطابق بالنسبة إلى الطلاب بفعل جرعة عالية من الانضباط. ويقول أحمد الدمناتي، أحد هؤلاء الطلبة، عن يومياته في هذه المدرسة: “ننتقل بعد حصص حفظ القرآن ودراسة مواد العلوم الشرعية، والمواد الأخرى، إلى حصة للتلاوة الجماعية للقرآن، على الطريقة المغربية، ومنها إلى الحفظ ومراجعة الدروس″.

لم تمنع صعوبة الوصول إلى قرية أمليل إقبال الطلاب على طلب العلم

وباستثناء أجور الأساتذة الأربعة في المدرسة والتي تدفعها وزارة الأوقاف، فإن المدرسة تعتمد على تبرعات المحسنين لتغطية نفقاتها، وتتمثل هذه النفقات بالأساس، وفق المسؤولين عن المدرسة، في سكن الطلاب ومأكلهم، خاصة أنهم ينحدرون من مناطق بعيدة عن “بوحلو”.

ولا يخفي القائمون على المدرسة استغرابهم لخلو المدرسة من أي طالب من مدينة دمنات، أقرب مركز حضري للقرية، رغم الوتيرة التصاعدية لعدد الطلبة من سنة إلى أخرى.

وفي هذا الخصوص قال الحاج عمر الربيب، المشرف على المدرسة منذ سنة 1987، إن المدرسة تحتاج إلى توسعة، قبل أن يضيف: “تلقينا وعودا ببناء الشطر الثاني، إلا أنها لم تتحقق بعد”.

ولا يخفي الحاج عمر “عدم ارتياحه لضيق مرافق المدرسة، التي تتألف من جناح لسكن الطلاب يحتوي على غرف تتسع كل غرفة لثلاثة طلاب، وبعضها أربعة”.

أما الجناح الثاني، وفق الربيب، فـ”يضم مسجدا للصلاة، وقاعة لحفظ القرآن، وقاعات لتدريس مواد الثلثين، بالإضافة إلى قاعة للأكل، ومكتب للإدارة، وهي في مجملها لا تكفي الطلاب، خاصة وأن عددهم في تزايد”.

20