مدرسة قُرّاء القرآن المصرية مغلقة للتحسينات.. هل تُسهم التكنولوجيا في ازدهارها

العائلات تدفع أبناءها لهجر مدارس قراء القرآن نحو ميادين الغناء وكرة القدم.
الخميس 2020/12/31
لم تُطو بعد صفحة مدارس قراء القرآن

يشهد دور مدرسة قراء القرآن في مصر تراجعا لافتا بالرغم من تاريخها الكبير في تكوين القراء، حيث أصبحت العائلات المصرية تدفع أبناءها نحو ميدان الغناء الشعبي وكرة القدم وهما من المجالات التي تعبد الطريق للوصول إلى الشهرة والثراء بالرغم من أن العديد من الموسيقيين انبهروا في السابق بحناجر القراء، وهو ما يطرح تساؤلات اليوم عما إذا كانت التكنولوجيا ستُعيد إلى المدرسة المصرية لقراء القرآن مجدها المفقود في الوقت الراهن.

القاهرة - القرآن معجزة، دون أدنى شك فهي معجزة حيَّة، ماثلة طوال الوقت، ولا يمكن إنكارها. فلم يُقرأ كلامٌ بقدر ما قُرئ القرآن، ولم يُنسَخ كتاب، في نسخة وحيدة غير متفاوتة، بقدر ما نُسِخ، ولا يُتوقَّع أن يتغيَّر ذلك في المستقبل، ما يمنح هذه المعجزة رسوخا أعمق مع مرور الزمن.

وسُمِّي قرآنا لأن وجوده مرهون بقراءته، فأول ما نزل فيه: اِقرأ، لكنه سُمِّي أيضا بالكتاب، من قبل أن يُكتَب بأي وسيلة يعرفها البشر، إذ هو مكتوب من الأصل في السماء، فكأنما تُريد التسميةُ أن توحي لنا بكوننا نقرأه مباشرة من حروفه المسطورة فوق صفحة السماء.

بين مزاج عام أميل للتشدد، وتراجع دَور الكتاتيب، صار الغناء الشعبي أقصر طريق يَعِد أصحاب الحناجر الذهبية بالشهرة

إذا فالقراءة نفسها تحمل نفحة من إعجاز المقروء، ولذلك نكتفي بأن نُطلِق على مَن يُتقِن قراءته لفظة قارئ، وكفى. ليس ضروريّا أن نضيف إليها القرآن، هو القارئ، وكل مَن دونه قرّاء أشياء أخرى تحتاج للإضافة والتعيين.

ولقراءة القرآن مدارس شتى، تختلف باختلاف الثقافة والطبيعة الجغرافية والأنثروبولوجية، في كل بلد أو إقليم. فالمدرسة المغربية الشهيرة على سبيل المثال معروفة بتأثرها بالرافد الأندلسي، لقرب المسافة وتشابك التاريخ بالطبع، لذا تعتمد قراءة “ورش عن نافع” على عكس أغلب الأقاليم الأخرى التي تميل لقراءة “حفص عن عاصم”، كما يكثر فيها استعمال مقام الحجاز، وهو أكثر المقامات الشرقية حضورا في الموسيقى الأندلسية والغجرية الإسبانية.

أما المدرسة العراقية فلها مقاماتها الخاصة والمتنوعة، كمقام العراق بتنويعاته الحزينة، فهي متأثرة بوضوح برافدها الكردي، ما يمنحها ثراء مقاميّا وحضورا مكثَّفا للزخارف والتأثيرات الشهيرة في هذا الإقليم.

وتبقى مدرسة شبه الجزيرة العربية أقدم المدارس على الإطلاق، لكونها أول مَن استقبل الوحي ونشره في كل اتجاه، ويبرز فيها التأثر بالثبات الإيقاعي والنمطية المقامية الناتجة عن طبيعة الصحراء، والشبيهة بغناء الحُداة، لذا لا نجد فيها احتفاء واضحا بالتنويع الموسيقي والطربيّ، الذي تحتفي به المدرسة التركية.

 دولة القرآن

تغير نظرة المصريين إزاء مدارس قراء القرآن
تغير نظرة المصريين إزاء مدارس قراء القرآن

تبقى للمدرسة المصرية في القراءة خصوصيتها وتاريخها الذي لا يُضاهى في الشهرة والتأثير في أغلب قُراء العالم، ربما لوجود الأزهر وحضوره المؤثر، وانتشار دُعاته في ربوع العالم؛ لكنْ ثمة أسباب أخرى بالتأكيد، منها التنوع الثقافي الذي عادة ما يشهده إقليم جغرافي يتوسَّط سائر الأقاليم، ومنها تعدُّد المؤثرات التي دخلَت على الفنون نتيجة للاحتلال وحركة التجارة، ومنها أسبقية مصر في تسجيل الأسطوانات وافتتاح الإذاعة.

ويبقى منها أيضا، ما لا يمكن تفسيره باستقراء الظواهر؛ فالأمر يتعلَّق بالسماء مثلما يرتبط بالأرض، وللسماء أحكامُها العصيَّة على الإدراك.

لا أعلم إن كان أحد قد سبق الكاتب طه عبدالباقي سرور في إطلاق مصطلح “دولة القرآن”، والذي كان عنوانا لكتابه الصادر في خمسينات القرن الماضي، غير أن هذا المصطلح ما عاد يُفهَم كما أراده صاحبه، بل صار مرتبطا في أذهان العامة بجماعة القراء العِظام والمنشدين، الذين حفظوا بأصواتهم إرث التلاوة القرآنية تجويدا وترتيلا.

ثمة أسباب جديرة بالتأمُّل وراء هذه التسمية، التي تمنح لهؤلاء القُراء دولة مستقلة يحكمونها بطريقتهم الفريدة ومواهبهم الفذة، منها المكانة التي حقَّقوها والتي دفعَت بهم لمجالس الملوك والرؤساء.

هل سبق وأن شاهدتَ استقبال الشيخ عبدالباسط عبدالصمد في باكستان، وكيف تجمهَر المستقبِلون وراحوا يحدفونه بالورود؟ أو رأيتَ صورة الشيخ طه الفشني وهو يقتعد أريكة مرتفعة، فيما يجلس الملك فاروق على كرسيٍّ أخفَض منه؟

سيقول قائل إن الحاجة لرفع الشيخ لمستوى الميكروفون هو ما جعلهم يضعون الشَّلتة فوق الأخرى على أريكة الشيخ، لكن مَن ينظر إلى الصورة، سيدرك مَن يُهيمن على المشهد، إنه الشيخ وصوته الذي تكاد تسمعه يصدح من الصورة الصماء ويملأ الفضاء بتغريداته الكروانية، جاعلا رأس الملك يميل إلى الأمام استجابة لهذه المعجزة.

وعن مآثر زعماء دولة القرآن، يحكي الكاتب والصحافي الساخر محمود السعدني في كتابه “ألحان السماء”، تأمَّل التسمية، شذرات من أخبار مشاهير القراءة، لها نكهة الأسطورة وغرابتها؛ فمثلا، يحكي عن العاهل المغربي الملك محمد الخامس الذي تعرَّض للنَّفي على يد الفرنسيين، فأخبروه بأن يُقدِّم طلبا رسميّا للسلطات يُجمِل فيه ما يُريده أثناء منفاه، فلم يطلب غير أسطوانات الشيخ عبدالباسط عبدالصمد.

كما يحكي عن الطائرة التي سافرَت لاستدعاء الشيخين الكبيرين عبدالفتاح الشعشاعي وأبوالعينين شعيشع إلى بغداد، لإحياء مأتم الملك غازي ملك العراق، ويحكي قصة أحد أمراء الهند العظام وأثرياء العالم في زمانه، اسمه عثمان حيدر آباد، أصرَّ على دعوة شيخ القُراء وقيثارة السماء محمد رفعت لإحياء ليالي رمضان بصوته العجيب في قصره المنيف، مقابل أي كمٍّ من الذهب يرتضيه الشيخ.

 يكفي ما حكاه الشيخ الراحل الطبلاوي عن ملاطفة الملك خالد بن عبدالعزيز في معرض ثنائه عليه، إذ قال له إن “القرآن الكريم نزل في الجزيرة العربية، وطُبع في إسطنبول وقُرئ في مصر”، ما يُفيد بصدارة مدرسة القراء المصريين ونبوغ روادها.

 دولة الفنانين المنبهرين

الفرقان هبة إلاهية لمن نبغ في تلاوته
الفرقان هبة إلاهية لمن نبغ في تلاوته

لم يقتصر الانبهار بهؤلاء الرواد على المستمعين فحسب، بل امتدَّ ليشمل الفنانين والموسيقيين، ومما يُروى عن انبهار كبار الموسيقيين بموهبة هؤلاء المشايخ الأفذاذ، ما حكاه الموسيقار محمد عبدالوهاب عن جلوسه في ساحة قصر رأس التين في مدينة الإسكندرية مُتواريا خلف ستائر سيارته السوداء، ليستمع لقراءة الشيخ مصطفى إسماعيل على شرف الملك فاروق.

وقال عبدالوهاب للشيخ مصطفى في أحد اللقاءات “لو فكَّرتَ يوما في الغناء لاعتزلتُه على الفور.. فليس باستطاعة أحد أن يُجاريك”، فردَّ عليه الشيخ بأنه نذَرَ صوتَه للقرآن فقط، ولا نصيب فيه للغناء.

وكان عبدالوهاب يدهش من قراءة الشيخ ومن كيفية انتقاله بين المقامات عبر نَقَلات لا يمكن تصوُّرها، فكان الشيخ يجيبه بأنه الأستاذ الخبير بكل هذه الأفاعيل، وهكذا كان عبدالوهاب بالفعل.

أما أم كلثوم، فقد كانت تُرسل مَن يُسجِّل لها حفلات الشيخ مصطفى إسماعيل ويأتيها بالتسجيلات، كما استعانَت غير مرة بالشيخ بصفته موسيقيّا بارعا، إذ التقَتْه مُصادفة في إحدى المرات في مبنى الإذاعة، فاستوقفَته وطلبَت إليه أن يرافقها إلى الاستوديو، ويستمع لمقطع ستقوم بتسجيله من ألحان عبدالوهاب، وهكذا فعل وأشاد بغنائها أيَّما إشادة، فسألتْه إن كانت لديه ملاحظات، فأخبرها بأنها انتقصَت قدرا طفيفا من أحد الجوابات، أي لم تبلغ بدقَّة أعلى درجات السلم الموسيقي، ثم عادت وأتقنَتْه تمام الإتقان في المرة التالية، فقالت “يا ساتر عليك يا ساتر”، بمعنى: من أين لك هذه الحساسية الموسيقية الشديدة؟ فقال: إنه شأن ربّاني.

ولم يكن كبار القُراء آنذاك أقل حظوة من نجوم الفن والغناء، بل كانت لهم أجور مرتفعة بمقاييس زمانهم، ودخول تتجاوز نجوم الكرة والعديد من نجوم الغناء والسينما، حتى أن الشيخ عبدالباسط كان يُعرَف بأناقته الفائقة، والشيخ الحصري بثرائه ووجاهته، كما سكَن الشيخ مصطفى إسماعيل عند انتقاله إلى القاهرة في جناح خاص في فندق شبرد، لحين تجهيز منزله في حي الزمالك المجاور لبيت أم كلثوم.

وأغلبهم من أصول ريفية رقيقة الحال، لم تذُق الثراء إلا عبر بوابة القرآن، ما يعني أن الأسر المصرية كانت تدفع بأبنائها لتعلُّم القراءة في الكتاتيب وحفظ القرآن على يد الشيوخ المجيزين، أملا في نبوغ أحدهم وبروز موهبته.

أما اليوم، فيدفعونهم لفرق الكرة في مراكز الشباب واختبارات الأندية الشهيرة، إذ ربما تبرز موهبة أحدهم من قدمَيه عوضا عن حنجرته.

وبرغم قوة أصوات القُراء واعتيادهم الصدح أمام جمهور المستمعين في الموالد والليالي ومآتم الكبار، فقد ساهم الميكروفون، الذي قدَّمه المخترع الشهير توماس إديسون إلى البشرية، في بلوغهم ما لم يكونوا بالِغيه دونه، ومثله ساهم الفونوغراف وتسجيل الأسطوانات، ثم الإذاعة المصرية التي انطلقَت في ثلاثينات القرن الماضي محمولة فوق أثير أصوات في بهاء محمد رفعت وعلي محمود ومحمد الصيفي.

أغلب القراء المصريين كانوا من أصول ريفية ما يعني أن الأسر كانت تدفع بأبنائها لتعلُّم القراءة في الكتاتيب. أما اليوم، فيدفعونهم لفرق الكرة ربما تبرز موهبة أحدهم من قدمَيه عوضا عن حنجرته
أغلب القراء المصريين كانوا من أصول ريفية ما يعني أن الأسر كانت تدفع بأبنائها لتعلُّم القراءة في الكتاتيب. أما اليوم، فيدفعونهم لفرق الكرة ربما تبرز موهبة أحدهم من قدمَيه عوضا عن حنجرته

ومثلما ساهم اختراع الميكروفون والتسجيل الصوتي في تكريس مدرسة القراءة المصرية، تسبَّب اختراع الكاسيت في تراجعها أمام مدرسة شبه الجزيرة العربية بداية من ثمانينات القرن الماضي.وبلغَت ذُرى مجدها بأصوات عديدة، وذلك حين أُنشئت إذاعة متخصصة في بث القرآن الكريم قبل منتصف الستينات، كان لها السبق في بث هذه الأصوات المدهشة على مدار الساعة واعتلائها عرش التلاوة في العالم الإسلامي.

وسافر الكثير من المصريين المتأثرين بظروف الحرب والانفتاح للعمل وكسب الرزق، وعادوا مُحمَّلين ليس فقط بأجهزة الكاسيت وشرائطه المرصوصة بداخل حافظات جلدية أنيقة، بل بأفكار وقناعات فقهية تخص التلاوة والتجويد، تُناقض ما درجوا عليه من فنون التلاوة وتدفع به لخانة التحريم والتكريه، منها ما يُحرِّم قراءة القرآن باستخدام المقامات الموسيقية ويُكرِّه التنويع المقامي أثناء التلاوة، وهو السمة الأهم من سمات المدرسة المصرية في القراءة.

وإلى جانب إتقان الأحكام وضبط مخارج الحروف وتنظيم النفَس والقفَلات شديدة الصعوبة؛ صارت مدرسة تُخالف الشرع، لما لها من أثر على عواطف المستمعين وطريقة تفاعلهم المبالغ فيه مع التلاوة.

وتزامن ذلك مع تفشّي التشدُّد الديني بدءا من أواخر السبعينات، خاصة بين طلبة الجامعات المصرية، في ظل تضييق من الدولة على التيارات اليسارية والمعارِضة، ما ساهم في تمكين التيارات السلفية وإفساح المجال لشرائطها وكُتيِّباتها وفتاواها وأفكارها.

وبعدما كان يُقال إن القرآن نزل في الجزيرة وقُرئ في مصر، صارت مدرسة القراءة المصرية متهمة بمخالفة صحيح الدين، وإفساد مزاج المستمعين باللَّحن والزخرفة الزائدة.

بين مزاج عام أميل للتشدد، وتراجُع الاحتفاء بليالي القرآن، وانحسار دَور الكتاتيب والمعاهد الأزهرية في اكتشاف المواهب الجديدة، صار الغناء الشعبي أقصر طريق يَعِد أصحاب الحناجر الذهبية بالشهرة والثراء، وحلَّت منصات الأجهزة ومكبِّرات الصوت مكان القراء في صدارة سُرادقات العزاء.

ولا عزاء لفنون القراءة والتجويد إلا مواهب قليلة ومتفرِّقة، تبزغ كل حين من فصول مدرسة القراءة العريقة، من أمثال الشيخ محمود الشحات، والشيخ عبدالناصر حَرَك، وغيرهم قليلون. أصوات فرضَت وجودها برغم المناخ المعاكس، وبإمكانها أن تُضيف حبّات جديدة لسِبحة المقرئين الأفذاذ، لو توافر لها من وسائل العصر ما يدعم مواهبها ويصل بأصواتها لآفاق أرحب.

13