مدرستي الحلوة

السبت 2015/02/28

أشتهي الليلة أن أكتب عن مدرستي العتيقة واسمها مدرسة إبن جبير الابتدائية للبنين. كان الدوام فيها ثلاثيا، فقبلنا ثمة مدرستان هما الهادي والمآرب للبنات، وهذا ما يفسّر اكتظاظ الفحول الصغار أمام بوابة خروج الصبايا، في أول محاولات الحب من طرف وهميّ.

معلم القراءة الخلدونية اللطيفة هو الأستاذ مكي الذي كان يصل المدرسة سائقا دراجته المشهورة. كان المعلم مكي محبوبا وحميما، ويستعمل وسائل إيضاح لترسيخ الحروف في عقل الطالب الكسلان التنبل، ففي درس العين يأتينا بالعنب، وبالباء بالبرتقال وفي التاء بتمرٍ من نخلة بيته الشريفة، وبعد انقضاء الحصة، نكون على موعد مزدحم مع أكل وسيلة الإيضاح الطيبة، كأننا مثل رعية تأكل تماثيل آلهتها بعد انقضاء مفعولها الساحر.

في منتصف الدراسة الابتدائية، ظهر على شاشة البلاد المصارع الجميل الحميم عدنان القيسي. وفي يومٍ درجة حرارته تبوّل الزمال، كنت أنا وصديقي مطلك مالك نتباطح عراة من القميص بباب المدرسة. استمررنا كذلك حتى خرجت بنات الهادي وكحّلن أعينهنّ بمرأى جسدينا الناحلين، ثم ماتت اللذة ونحن نمنح أصابعنا الطرية لعصا المدير القاسي زهير محمود نديم. أذكر أنني خرجت على النصّ التمثيلي، فزرعت برقبة صاحبي مطلك عكسية مميتة، فردّ عليّ بأن قام ببطحي والنوم على خوانيقي، ولم يفلتني إلّا بعد أن نجح بلعومي بإخراج جملة مبحوحة عنوانها يمعود مطلك أنت تخرق الاتفاق.

بباب المدرسة ثمة عربانة عبدالله أبو العمبة وبيض وعروق، وغياب الفلافل ربما هو توثيق لما قبل هبوب المصريين الطيبين على بلاد ما بين القهرين العظيمين .

جيوبنا مثقوبة وفقيرة، وبطوننا يغني فيها داخل حسن، لذلك كنا نشتري من عبدالله الكريم ربع صمّونة ونقوم بتطميسها في شيشة العمبة أزيد من مرة طمعاً في مواصلة عملية التلطيع اللذيذ، ولا نتوقف حتى نرى عيني عبدالله وقد صارتا بجبهته العريضة.

دوامنا يبدأ من الثانية بعد الظهر، وهذا يفسّر ضياع صبح العوافي منّي حتى الآن.

ثمة فعالية حلوة هي أنّ صاحب الحانوت المقصف، يقوم قبل انتهاء الدوام بقليل، بالدوران على الصفوف، ليبيع ما تبقى عنده من كيك، فمن كان بجيبه عشرة فلوس أشترى، ومن ليس بجيبه رائحة فلسٍ أحمر، ذهب إلى أكل الكيكة بالآجل الذي ناظره خمسة فلوس مقطوعة من خرجية اليوم التالي.

مدرستي الحبيبة كانت بمنطقة بديعة مدهشة جميلة واسمها جميلة ببغداد أمّ البلاد، وهي قريبة جدا من نهير صغير لطيف، كنّا نراه بحرا اسمه قناة الجيش.

عندي رغبة قوية بالجلوس الآن، الآن وليس غدا، فوق مقعدي المزروع في الصف الأول ألف.

24