مدرسون متشددون يضاعفون من تراجع التعليم في تونس

أهالي يلوذون بالمدارس الخاصة هربا من ظاهرة الأدلجة في المدارس الحكومية.
الخميس 2019/10/24
المدرسة تتحول إلى مصدر تهديد فكري

خلق هامش الحرية الذي اكتسبه التونسيون بعد ثورة يناير 2011 حالة من الانفلات الأيديولوجي انتشرت بشكل مقلق، ووصل مداها المدرسة بشكل أطلق جرس إنذار ممّا ينقله بعض المدرّسين لطلاّبهم من أفكار خارجة عن الدرس وحتى عن الثقافة المجتمعية  بما يزيد من حالة التردي التي يشكو منها التعليم العمومي في تونس.

تونس – تعهّد وزير التربية حاتم بن سالم بفتح تحقيق في حادثة تلميذة تدرس بمعهد في محافظة صفاقس (جنوب البلاد) التي تعرضت إلى التجريح من قبل أستاذ الجغرافيا على خلفية أصول والدتها الأوكرانية.

وعلى إثر ما تم تداوله بشأن تهجم المدرس على التلميذة ذات الـ14 ربيعا، وما كاله من أوصاف سيئة لأمها، تدخلت الجمعية التونسية لمساندة الأقليات، وتقدّمت بشكوى إلى وزير التربية، بطلب من والد الطالبة، عندما لم يجد أذانا صاغية من قبل المدير أو أي إطار بالمعهد يرد على استفساراته بخصوص الضرر النفسي الذي لحق بابنته.

وتحدثت صابرين عن تجربتها في فيديو تداوله روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، قالت فيه “كنّا في حصة التاريخ والجغرافيا وكان درسنا حول مزايا المغرب العربي ثم انتقلنا إلى محور الدول الأوروبية، لأفاجأ بالأستاذ يتحدث عن عيوب سكان هذه الدول وعن قذارتهم وعدم أهليتهم للزواج من مسلمين، باعتبارهم من شاربي الدماء، وآكلي لحوم الخنزي”.

وأضافت أنها ليست المرة الأولى التي يقلل فيها ذلك الأستاذ من قيمة الأوروبيات ويصفهن بأبشع النعوت.

ولا تعتبر حادثة أستاذ الجغرافيا حادثة معزولة فقد تقرر الخميس 29 مايو 2019 إحالة أستاذ في مادة الفيزياء، بإعدادية جعفر ماجد النموذجية بمحافظة القيروان (وسط البلاد) على مجلس التأديب، على خلفية تقديمه امتحانا للتلاميذ تضمن آية قرآنية بشأن الضغط الجوي.

وأدان محمد بن فاطمة، الخبير التربوي ورئيس الجمعية الوطنية للائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية، محاولة إقناع التلاميذ ولو على سبيل الإعلام بمعلومات تختلف عمّا هو موجود بالبرنامج الرسمي التي تضعه وزارة الإشراف. وقال بن فاطمة لـ“العرب”، “لدينا برنامج يتضمن أهدافا عامة ومحتويات دون أخرى ويمثل حصانة للمدرس وللتلميذ من الأيديولوجيات والفلسفات الأخرى”.

وقال بن فاطمة “أن يعتنق المعلم أي أيديولوجيا خارج المدرسة هذا أمر يهمّه، لكن أن ينقلها للتلميذ هذا ما لا يجب أن يحصل”، مؤكدا على ضرورة التزام المعلم بالحياد الفكري.

كثيرة هي السلوكيات ذات المرجعية الأيديولوجية التي انتشرت بعد 2011 والتي طالت حتى رياض الأطفال والكتاتيب، حيث انتشرت ظاهرة فرض بعض الأهالي ارتداء الحجاب على تلميذات صغيرات السنّ، وبات الحديث عن عذاب القبر وكيفية غسل الميت مباحا أمام أطفال لا يعرفون حتى معنى الموت أو دلالاته. كما بات استعمال طلاء الأظافر على سبيل المثال شأن تعاقب عليه ذات الخمس سنوات ويندرج ضمن المحرمات.

رهان المستقبل
رهان المستقبل

ويرى عبدالستار السحباني، الخبير في علم الاجتماع، أن الخيام الدعوية التي انتشرت بعد الثورة ساهمت في تأجيج الخطاب المؤدلج الداعي إلى العنف ونبذ الآخر، محمّلا السلطات مسؤولية فتح الباب على مصراعيه لعدد من الدعاة الذين زاروا تونس في تلك الفترة. وقال السحباني لـ”العرب”، “إن كل خطاب هو تعبئة”، مشيرا إلى أن الخطاب التعبوي له خطاب تعبوي مضاد.

وتكمن خطورة الخطاب المضاد في أن يكون حاملا للعنف المسلط على الآخر، كسحب صفة المؤمن مثلا على شخص، وإلصاق صفة الكافر على شخص آخر.

وقال السحباني “عدم تطوير مَلَكة النقد لدى التلميذ التونسي ليس أمرا جديدا، بل هو توجه تعود جذوره إلى فترة وزير التربية الراحل محمد مزالي (تقلد وزارة التربية بين 1970 و1980) الذي أراد القيام بإصلاح تربوي ينبني على خطاب الانفتاح على الآخر والمحافظة على التراث والأصالة في ذات الوقت”، واصفا هذا الخطاب بالتعبوي والخطير لأنه قتل مَلَكة النقد لدى التلميذ.

بدوره اعتبر عبدالله المطيري، أستاذ الأصول الفلسفية للتربية، أن التلاميذ الذين يتم تدريسهم بطريقة السمع والطاعة مجرد منفذين ومطبقين لما تم فرضه على المجتمع من رؤى وأفكار. وقال المطيري في محاضرة عن أزمة التعليم الأيديولوجي “إن تعليم الطلاب العداوة هو إيذاء لمشاعرهم وأذهانهم”.

ولمواجهة هذا التحدي، يخلص هشام تريمش، المختص في علم الاجتماع، إلى أن الجانب الأخلاقي يبقى الضمانة الأساسية ضد خطاب الأيديولوجيا فكلما حمل خطاب المدرس قراءة موضوعية معرفية ابتعد عن الأيديولوجيا. وهربا من أيديولوجيا المدارس الحكومية، اضطرت عديد العائلات إلى تسجيل أبنائها بمدارس خاصة بالرغم من ارتفاع كلفتها.

وتقول رانية أم لتلميذة تدرس بالسنة الثانية من التعليم الأساسي “كنت أرغب في تسجيل ابنتي بالتعليم العمومي لأني لا أملك المال الكافي لتسجيلها بإحدى المدارس الخاصة بسبب ارتفاع كلفتها، لكني عدلتُ عن رأيي عندما أُعلمت بنظام التعليم المطبق هناك”. وتضيف “كنت متأكدة من أنهم وضعوا هذا النظام التعليمي بغرض التأثير الأيديولوجي على التلاميذ، فعملت كل ما في وسعي حتى أجمع المبلغ المالي المطلوب”.

من جهته قال شوقي والد التلميذ بهاء الدين “كان السبب الرئيس الذي جعلني أرسل ابني لإحدى المدارس الخاصة أنه سيعيش في مناخ مختلف داخل الفصل الدراسي، يستطيع من خلاله أن يعبّر عن نفسه بحرية أكبر، لأنني في نظر المدارس الخاصة مجرد مشترٍ، والطفل بإمكانه أن يعبّر عن آرائه كيفما شاء”.

وأضاف “هذا يعني أنني أدفع الأموال من أجل ابني، لا من أجل أن يتم حشو رأسه بمعلومات لا تتناسب مع سنه مثلما يحدث في المدارس الحكومية”.

استثمار في الأبناء
استثمار في الأبناء

 

21