مدفعجي القاهرة يروي مفارقات العداء والصداقة مع مدفع الإفطار

مدفع الإفطار جزء أصيل من بهجة شهر رمضان في العديد من البلدان العربية والإسلامية، يشاهده الكثيرون عبر شاشات الفضائيات وهو يدوي بطلقاته “المزيفة” معلنا انتهاء ساعات الصيام، ويحتفظ البعض بذكريات كثيرة عنه من حكايات الطفولة يختلط فيها الأسطوري بالواقعي.
السبت 2015/06/27
مدفع الإفطار يحمل ذكريات مرتبطة بأجواء البهجة في رمضان

قليلون هم من يلتفتون إلى الرجل المكلّف بإطلاق المدفع طوال أيام وليالي رمضان، كيف يتم اختياره وما هي مهامه، وكيف تتحول علاقته بالمدفع بمرور الوقت من مهمة عمل بين رجل وآلة إلى علاقة صداقة حافلة بالمشاعر الإنسانية.

مساعد الشرطة، الصول حسين، يعمل في الدفاع المدني بوزارة الداخلية المصرية هو المسؤول عن إطلاق المدفع طوال 15 عاما آخرها هذا العام، حيث يحال إلى التقاعد قبل نهاية رمضان الحالي.

ورغم أن علاقة الرجل بالمدفع تقتصر على شهر رمضان فقط، حيث يحصل على تفرّغ من مهامه في الدفاع المدني لإطلاق المدفع، فإن ذكرياته معه تمتد على طول خمسة عشر عاما، بداية من الموكب البهيج الذي يخرج فيه المدفع الرمضاني وذخيرته من مخزنه في هيئة الحماية المدنية قبل بداية رمضان بأيام قليلة، حتى يستقر بالساحة الواسعة في ملعب مدينة البعوث، وهو موكب يشبّهه العم حسين بـ“زفة العروس” لما يشيعه من بهجة وسعادة في نفوس من يشاهدونه.

يحكي الصول حسين عن يومه الرمضاني فيقول “في الصيف أجلس أغلب أوقات النهار على بطانية مفروشة على الأرض ومكسوة بملاءة خفيفة تمنع احتكاك الصوف بالجسم، بالقرب من المدفع أقرأ القرآن حتى صلاة العصر تقريبا، ثم أبدأ في تجهيز المدفع وتنظيفه وحشوه بالذخيرة المزيفة لكي يكون جاهزا للانطلاق وقت المغرب”.

تجهيز المدفع للانطلاق حكاية لا يمل الصول حسين من استعادة تفاصيلها، حيث يقوم بفتح “ترباس” المدفع الموجود على جانبه الأيسر ليضع فيه عبوة مثقوبة تحتوي 750 جراما من البارود السلطاني المزيف، وهو نوع من البارود يصدر صوتا قويا لكن لا يسبب اشتعالا مثل البارود الحقيقي، ويضع في ثقب العبوة فتيلا يتصل بسلك طوله 7 أمتار له طرفان يقوم بتوصيلهما ببطارية كهربائية تسهل إشعال الفتيل لينطلق المدفع.

العلاقة الممتدة بين الرجل والمدفع لم تنجح في منع إحساس الصول حسين بالتوتر في كل مرة يقدم فيها على إطلاقه، فهو لا ينسى أبدا ما فعله المدفع بزميل له عام 1965، حينما غدر به وتسبّب ارتداده العنيف في بتر ذراع الصول السيد حسن، ومن ثم تقاعده عن العمل. تلك الحادثة يتذكرها الصول حسين جيدا في كل مرة يقترب فيها من المدفع من المرات الـ81 التي يطلقه فيها سنويا، 30 للإفطار ومثلها للسحور خلال رمضان، و21 طلقة خلال عيد الفطر بمعدل 7 في كل يوم من أيام العيد الثلاثة.

الصول حسين: علاقتي بالمدفع تحوّلت بمرور السنوات من العداء إلى الصداقة

الحادثة المأسوية لزميله جعلته ملتزما بالتفاصيل التي تدرب عليها في التعامل مع المدفع بعد أن تم ترشيحه للعمل عليه قبل سنوات طويلة، فقد حصل على دورة تدريبية تعلم خلالها كل شيء عن أجزاء المدفع وأعطاله وكيفيّة التعامل معه.

يقول “في بداية عملي غمرني شعور بأنني لن أعود مرّة أخرى إلى أولادي، كنت أنظر إلى المدفع طوال ساعات النهار لأجده متحفزا للانقضاض عليّ، لكن بمرور السنوات تحوّلت علاقتنا من العداء إلى الصداقة لدرجة أنني بكيت طويلا وأنا أسلمه لسلفي الذي سيتولى مهمة إطلاقه في السنوات المقبلة، علما بأنني لم أبك في حياتي من قبل رغم الأهوال التي واجهتها”.

جدير بالذكر أن المدفع يحمل ماركة كورب الألمانية، وقد كانت له العديد من الصولات والجولات في الحروب التي خاضها الجيش المصري منذ عهد الخديوي إسماعيل تقريبا، حيث كان يتميز بقذائفه شديدة الانفجار، التي يصل مداها إلى ما يقارب 300 متر.

تاريخ مجيد قد يكون وراء تفكير المسؤولين في تكريم المدفع، وفق اعتقاد الصول حسين، وذلك عبر استخدامه مدفعا للإفطار والسحور الرمضاني، بدلا من إبقائه منسيا في مخازن الجيش، أو إذابته والاستفادة من حديده مثلما يحدث مع بعض الأسلحة المتقادمة.

لا يتقاضى الصول مكافأة إضافية عن إطلاق المدفع، لكنه يسعد بنظرات التقدير والاحترام التي يجدها في عيون سكان قريته برطس، التابعة لمركز أوسيم بمحافظة الجيزة، ويزداد شعوره بالفخر عندما يجلس على المقهى فيناديه الناس هناك بلقب “الرجل الذي يهز القاهرة”، ويسألونه عن المدفع وأخباره وتفاصيل إطلاقه يوميا في موعد الإفطار والسحور، وما يلفت الانتباه أن الناس يسألونه عن المدفع لا عن أولاده.

أبناء الصول حسين أيضا يتباهون بعمله، ويطلبون منه اصطحابهم بين وقت وآخر لمشاهدة المدفع وهو ينطلق، لكنه لا يستطيع تلبية طلباتهم بسبب عدم وجود تصريح لأي شخص بالدخول، لكن ما يعوّضهم عن ذلك تقدير أهل القرية لهم خلال شهر رمضان لأن أباهم هو من يعلن موعد إفطارهم.

الطريف أن استخدام المدفع في التذكير بالإفطار والسحور بدأ بالصدفة، حسب ما أكدت لـ”العرب” دينا مشالي الباحثة في التاريخ الإسلامي، مضيفة أنه عند غروب شمس أول يوم رمضان عام 865 هـ، أراد “خوش قدم” والي مصر في العصر الإخشيدي أن يجرب مدفعا جديدا، فظن الناس أنه تعمد إطلاق المدفع لتنبيه الصائمين بموعد الإفطار، فخرج الأهالي إلى مقر الوالي لشكره، وعندما رأى بهجتهم قرر الاستمرار في إطلاق المدفع كل يوم إيذانا بالإفطار.

مشالي أكدت أن من أبرز الروايات الخاطئة عن قصة المدفع أنه بدأ في عهد الخديوي إسماعيل، لأن الجبرتي ذكر في تأريخه أن مدفع العيد كان يضرب أيام الاحتلال الفرنسي لمصر (1798–1801) قبل أكثر من 60 عاما من بداية حكم إسماعيل.

20