مدفع رمضان يجمع سياح سراييفو في القلعة الصفراء

أجمل ما في سراييفو أنك تستطيع من خلال جولة على الأقدام أن تشاهد جميع المعالم السياحية المهمة.
الأحد 2019/05/26
عاصمة بسحر الشرق وأجواء الغرب وجهة جديدة للعرب

يمتزج نمط حياة الشرق بالأجواء الغربية في العاصمة سراييفو، حيث يجمع رمضان سكان المدينة الذين يلتقون بالسياح في المطاعم والمقاهي والأسواق الشعبية في رحلة عبر التاريخ. وبعيد عن صخب الحياة يمكن للسياح أن ينطلقوا غير بعيد من المدينة ليستمتعوا بجولات ريفية في وسط الطبيعة على مركبات تجرّها الخيول، أو في فسحة تحت رذاذ الشلالات.

سراييفو - في القلعة الصفراء حيث الإطلالة الفريدة من نوعها على كامل العاصمة سراييفو، يجتمع البوسنيون والسياح معا عند آذان المغرب ليشاهدوا المدفع الذي يعلن عن موعد الإفطار، فيختار الحاضرون واحدة من الطاولات المنتشرة هناك لتناول وجبة الإفطار في أجواء من الألفة، هذه الأجواء أبهرت الشاب البحريني ماجد الذي قدم مع أصدقائه لقضاء إجازة رمضانية في مدينة يمتزج فيها سحر الشرق بالأجواء العصرية الأوروبية، كما أبهرت السياح الأوروبيين الذين يحضرون كل يوم على موعد الغروب لمشاهدة حدث لم يألفوه في بلدانهم.

ويمكن مشاهدة جمال المدينة من برج “آفاز″ أيضا، وهو عبارة عن ناطحة سحاب بطول 176 مترا، مع واجهة زجاج زرقاء ملتوية، ويوفِّر إطلالات خلَّابة على المدينة والجبال المحيطة به.

رائحة زكية في باسكارسييا

يقول ماجد، رمضان هو رمضان في كل بلدان العالم، سحور وإفطار، لكن الأجواء في البوسنة تختلف حتى عن أجواء الصيام في البلدان العربية، فلقد جعلوا من رمضان مهرجانا يلتقي فيه السياح بأهل البوسنة، في القلعة الصفراء بالإمكان تناول الإفطار في موقع يطل على المدينة التي يسكنها الصمت خلال الآذان، ومن يفضل العودة إلى أحد المطاعم في وسط المدينة، فسيكفيه الوقت للعودة وتناول إفطاره، ليهضم ما أكله متجولا في شوارع المدينة وساحاتها، وذلك بعد تناول “قهوة نانا” التي يحضرها النادل أمام الزبون في مطحنة تقليدية، هذه القهوة تزداد لذتها مع الـ”بكلافا” وهي حلوى محلّية طيبة المذاق مصنوعة من طبقات من عجين الفيلو، محشوة بالمكسرات المفرومة والمحلاة، ثم ترش بالعسل أو قطر السكر، وهي، البقلاوة عند العرب، وبقلاوة البوسنة تأتي على شكل لفائف صغيرة مع الزبيب.

ويضيف الشاب الذي أطنب في وصف الحلويات أنه تناول في إفطار أول يوم له معجنات انتشرت رائحتها، اكتشف بعد ذلك أنها تسمى”الصمون”. ويضيف، أن سكان سراييفو يعتقدون أنَّ رائحة الصمون التي تغمر المدينة هي الرائحة الحقيقية لرمضان. فلن تجد مائدة إفطار واحدة في البوسنة تخلو من الصمون.

لمة يومية حول المدفع
لمة يومية حول المدفع

وتذوق ماجد المغرم بالاطلاع على مطابخ البلدان التي يزورها، أكلة (التوبا) تطهى فقط في شهر رمضان وهي عبارة عن خليط من البيض واللبن والجبن تقدم كأحد الأطباق الجانبية، ومن أشهر الأطعمة التي تناولها، فطائر البيتا، والديك المحشي والكباب والفطائر المحشوة باللحم أو البطاطس وغيرها من السلطات وأنواع الخبز.

بعد تناول وجبة الإفطار تجد المقاهي والمطاعم في وسط باسكارسييا المدينة القديمة في قلب سراييفو، وقد فتحت أبوابها لتكون وجهة مبهجة للزبائن من السكان المحليين والسياح الذين يجدون في شهر رمضان مهرجانا احتفاليا مليئا بالبهجة والفرح.

وفي سراييفو يتم تنظيم مهرجان رمضان لتقديم العديد من الأنشطة الثقافية والاجتماعية والدينية مثل الإفطار الجماعي، وعروض المتاحف والدروس في المساجد، ويتم افتتاح المهرجان في أول أيام رمضان بالقلعة الصفراء وتستمر النشاطات في مختلف المباني الأثرية بالمدينة.

ماجد كان يعرف أن الكثير من البوسنيين يصومون رمضان، لكنه لم يكن يعلم هذه الأجواء التي أبهرته، انطلاقا من مظاهر الزينة في باسكارسييا والتي تعدّ من أهم المعالم في العاصمة البوسنية بمبانيها القديمة ومبنى البلدية ونافورة السبيل، إضافة إلى مسجد غازي خسرو بك الذي يعانق الكنيسة الأرثوذوكسية القديمة والكنيس اليهودي والكاتدرائية، هذه المعالم تعدّ كتابا مفتوحا على التعايش الديني، رغم الأزمات التي مرت بها سراييفو، كما يقول الشاب السعودي مروان أحد أصدقاء ماجد الذي كان مشغولا بالتقاط صور سيلفي له وتصوير أصدقائه.

التجول في أزقة التاريخ

يقول مروان وهو طالب هندسة معمارية، أن سرّ باسكارسييا يزداد ألقا مع هذه الزينة الرمضانية فالمآذن تشع بالأنوار والمصابيح، كذلك الشوارع والبيوت، إضافة إلى والحركة الدؤوبة فيها خلال الليل.

ويضيف أن أجمل ما في سراييفو أنك تستطيع من خلال جولة على الأقدام أن تشاهد جميع المعالم السياحية المهمة داخل سراييفو، وتتعرف على قصصها التاريخية.

مها وزوجها حمدي شابان قدما من الأردن، بعد أن اختارا أن يقضيا أسبوعين من شهر رمضان في العاصمة سراييفو كعطلة شهر العسل فهما تزوجا حديثا، وتحديدا قبل شهرين من رمضان، تحدثا عن الأجواء الشرقية الساحرة في مدينة سراييفو الغربية.

تقول مها، إن الأسواق في المدينة القديمة تفوح من أجوائها وجدرانها رائحة عربية تزداد جمالا في رمضان.

فسوق سراييفو، وهو سوق “باش تشارشي” العثماني يزداد جمالا في رمضان. “باش تشارشي” يكتسي حلة عربية عثمانية نكتشفها من خلال أسماء الأسواق الثلاثين الصغيرة، فمازال الطابع العثماني محافظا على خصائصه في السوق، من حيث طراز البناء والأجواء التي تنبض بالحياة حتى ساعات متأخرة من الليل.

يضم “باش تشارشي” مساجد تاريخية، مثل “غازي خسرو بك”، و”فرهادية”، ومدارس ومكاتب ومبانٍي قديمة تعود إلى العهد العثماني، علاوة على مطاعم ومقاهٍ ومحالّ تجارية تبيع مختلف أنواع السلع.

ومع اقتراب موعد الإفطار تمتلئ المطاعم التاريخية بالزوار الصائمين، وتزخر موائدها بوجبات تراثية وأطباق شهية وحلويات تقليدية، وتكتظ مساجدها التاريخية بالراغبين في أداء صلاة التراويح.

قهوة الركوة تزداد لذة مع البكلافا
قهوة الركوة تزداد لذة مع البكلافا

وتعدّ البوسنة واحدة من جواهر أوروبا الخفية، والتي تحوّلت في الآونة الأخيرة إلى وجهة سياحية شعبية، يقصدها السائح من كافة أنحاء العالم للاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلاّبة جنباً إلى جنب مع التراث التاريخي والثقافي، الذي يساعد البلاد في أن تصبح وجهة سياحية شعبية بشكل متنام، لكن السياح العرب ما زالوا لم يكتشفوا هذه الوجهة بشكل كاف

يقول المستثمر السعودي سليمان بن عبدالله الشدي، “السياح العرب، من ضمنهم السياح الخليجيون، لم يكتشفوا معالم البوسنة والهرسك بالكامل، فلا يزيد ـ على سبيل المثال ـ عدد السياح السعوديين الذين زاروا البوسنة والهرسك عن 35 بالمئة، والبقية تجهل الكثير عن هذا البلد الأوروبي المهم، الذي يحتضن مدناً سياحية مهمة، تتمتع بالجمال والتراث والمناظر الخلابة، حيث لا يعرفون عنها شيئا”.

ويضيف، أن الطلب السياحي عليها من الغرب كبير اليوم، بل إنه يفوق نظيره في دول الخليج مجتمعة، فمثلا عدد السياح الإيطاليين في البوسنة والهرسك وحدها، يصل إلى 850 ألفا، فيما عدد السياح السعوديين لهذا البلد لا يتجاوز 25 ألف سائح، لذلك أستطيع التأكيد على أن البوسنة وجهة سياحية قادمة، ومستقبلها في هذا القطاع مزدهر”.

بالإضافة إلى متاحفها وحدائقها والجسر اللاتيني وقصر فرانز فرديناند، تعد سراييفو نقطة انطلاق في رحلات إلى المعالم والمدن القريبة منها والعودة في نفس اليوم، فهناك حديقة فريلو والتي تقع على بعد أقل من 15 كيلومترا إلى الغرب من وسط مدينة سراييفو، وتوفر ينابيع البوسنة الموجودة بمنطقة فريلو، جولة ممتعة على متن عربة تجرّها الخيول.

أجواء تجعل الزائرين يعيشون حلاوة الريف البوسني وسط الطبيعة الساحرة والمحمية الطبيعية ومساراتها تأخذك بين أشجار الغابات وعلى ضفاف النهر حتى الوصول إلى منبعه.

وعلى بعد 12 كيلومترا شمال مدينة سراييفو يقع شلال “سكاكافكس”، حيث تستقبل المناظر الطبيعية والحبال الخلابة الزوار الذين بإمكانهم مشاهدة أنواع مختلفة من الطيور وتشكيلة من الأزهار والحيوانات البرية، وعند الاقتراب من الشلال تبدأ الطرقات والمنحدرات والمنزلقات التي قد تصبح خطرة وتتطلب الكثير من الحذر.

16