مدفونة تونسية وعقد إسبانية

المطبخ التونسي ليس مجرد مجموعة كبيرة من الأطباق المتنوعة، وإنما هو خلاصة تلاقح ثقافات وعنوان محبة وتلاقٍ بين الأديان والحضارات.
السبت 2021/03/06
الطعام مثل اللغة وسيلة للتعبير عن الثقافة

باءت محاولتي بإعداد “مدفونة” الأسبوع الماضي بفشل ذريع رغم إتقاني لها مرتين في ما سبق، بعد أن أضفت الملح مرتين. والمدفونة أكلة تونسية أساسها السبانخ وكرات اللحم أو الهرقمة.

وجدتني أتساءل ما الذي خطر ببال أول امرأة تونسية وقفت أمام الموقد لقلي سبانخ في الزيت حد حرقها ثم تضيف إليها توابل وتشكل كرات من اللحم المفروم والنعنع لأجل إعداد أكلة تدعى “مدفونة”.

رغم أن الأكلة تحمل اسما غريبا “مدفونة” فإنه إذا عرف سبب ذلك بطل العجب. والسبب في تسميتها هكذا أن المدفونة أكلة يهودية تصنع ليل الجمعة وتدفن في مجمار وعندما ينتهي السبت تخرج من مجمارها لتجدها ربة البيت جاهزة للتقديم بسبب الطقوس الدينية المتعلقة بيوم السبت الذي لا يشعل فيه اليهود النار. انتقلت الطبخة من اليهود إلى التونسيين.

يسود اعتقاد داخل تونس وخارجها مفاده أن اليهود هم من وضعوا أسس المطبخ التونسي، دون أن يتم النقاش أو الحديث بعمق حول هذه الفكرة.

الكسكسي مثلا صحيح أنه موجود في الجزائر والمغرب وليبيا، ولكن طريقة إعداده في تونس والمواد المعتمدة في التحضير ليست نفسها.. يقول مؤرخون إن تلك المواد استحدثها اليهود، واعتمدها في ما بعد التونسيون دون استثناء.

ويطرح مؤرخون قائمة طويلة من الأطعمة التونسية المميزة التي يقولون إن أصلها يهودي كالهريسة وبعض المقليات التي تشمل البريك والكفتاجي والفريكاسي بالإضافة إلى العقد وهي طبخة موجودة في إسبانيا تقدم لمصارعي الثيران كدليل على فحولة الرجل، أتى بها اليهود الإسبان إلى تونس ولا تزال تؤكل بشراهة بين الرجال خاصة في محلات الطعام الشعبية دون أن ننسى المدفونة والمرقاز وغيرها.

الحقيقة أن الترويج لفكرة أن المطبخ التونسي متأثر أو له صلة وثيقة باليهود ليس صحيحاً تماماً، نظراً للتنوع الثقافي الكبير في البلاد. يمكن القول بأن اليهود قد مُنحوا فرصة للتأثير أكثر من غيرهم، بسبب كثرة تنقلاتهم في تونس بالإضافة إلى اختلاف الأماكن التي قدموا منها.

الطعام التونسي الذي ينتمي إلى المطبخ المتوسطي القائم أساسا على استخدام زيت الزيتون والخضروات الطازجة والسمك، لذيذ المذاق وغريب على قدر ما يعتبر مألوفًا بالنسبة إلى الأجانب.

المطبخ التونسي ليس مجرد مجموعة كبيرة من الأطباق المتنوعة، وإنما هو خلاصة تلاقح ثقافات وعنوان محبة وتلاقٍ بين الأديان والحضارات.

لا شك أن الطعام، مثل اللغة، موجود كوسيلة للتعبير عن الثقافة هو أكثر من ضرورة بيولوجية إنه قطعة أثرية ثقافية رمزية للغاية.

24