مدمنة على صوت الحب

الجمعة 2017/10/27

يقال “الفنان مِلك لجمهوره”، ولكن حتى الفنان بإمكانه أن يمتلك جمهوره، وتتجاوز شعبيته حدود التاريخ والجغرافيا، ويستحوذ على وجدان الناس في كل مكان وزمان.

ورغم اختيار البعض من الفنانين الغياب عن الساحة الفنية والاحتجاب عن الأضواء، فإنهم يظلون على الدوام في بال محبيهم، وتبقى أغانيهم تصدح في قلب الساحة الفنية، وتغمر عقول وقلوب الملايين من الشرق إلى الغرب.

وهذه الرابطة العاطفية والحسية القوية تكاد تنحسر بين مطربي اليوم والجماهير، وذلك بسب نوعية الأغاني الهابطة والايقاعات التي أصبحت شبيهة بالسندويتشات السريعة تسمن ولا تغني من جوع.

أغاني الزمن الجميل، لا يمكن أن تموت ويطويها الزمن، لأنها مُعدة برهافة حس وذوق وحذق للطرب وللموسيقى، تغمر مستمعيها بأنغامها ومعانيها وتحيطهم بها حتى يكونون جزءاً منها، وذلك على نحو لم تنجح فيه أغلب أغاني اليوم ذات الايقاعات السريعة والنبرة الزاعقة.

تربطني بنجاة الصغيرة أو “صوت الحب” كما يحلو لعشاقها تسميتها ذكريات لا يمكن أن تنحصر بفعل الزمن أو تتداعى من عقلي ووجداني، لأنها حكاية غرام ممتدة في كل مسار حياتي، ابتدأت منذ كنت طفلة وما زلت أعيش حلاوتها إلى اليوم.

قدّمت نجاة العديد من الأغنيات التي كتبها الشاعر السوري نزار قباني، مثل “أيظن” و”ماذا أقول” و”أسألك الرحيل” و”متى ستعرف كم أهواك”.

وكذلك تعاونت في عدد كبير من أغانيها مع الموسيقار محمد عبدالوهاب، مثل “شكل تاني” و”القريب منك بعيد” و”ساكن قصادي” و”لا تكذبي”.

وحصلت نجاة على العديد من الجوائز في مصر، كما حصلت على وسامين من الرئيسيين التونسيين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، ووسام الاستقلال من الدرجة الأولى من الأردن، وجائزة بعنوان “هؤلاء أسعدوا الناس” من الإمارات.

أما الجائزة الأكبر التي حظيت بها نجاة فهي ولاء الجماهير من كافة الأجيال والأذواق وعشقهم الكبير لأغانيها ولهمسات الحب النابعة من مشاعرها وعواطفها العفوية.

عندما سمعت أغنية “عيون القلب” في شريط أحضرته اختي إلى المنزل قبل عقود طويلة، شعرت أن كل كلمة تنساب من صوت نجاة الرقراق العذب، تعزف على أوتار قلبي الصغير، وتداعب حسّي الطفولي المرهف، فأصبحتُ منذ ذلك مدمنة وبشكل ميؤوس منه على أغاني نجاة.

عندما أتوقف لحظة لأتذكر الأحداث الجميلة التي مررت بها في حياتي، وخاصة الأشياء التي ساهمت حقا في تشكيل شخصيتي إلى الأفضل، لا أستطيع أن أغيّب اللحظة التي اكتشفت فيها أغاني نجاة الصغيرة.

الذكريات الأولى هي من ضمن أثمن ممتلكاتنا وهي في صلب وجودنا، وحولها نحيك أذواقنا وهويتنا وعلاقاتنا، وآمالنا وأحلامنا، وكلما كانت تلك الذكريات جميلة وملهمة، حُفِظت بشكل أفضل في مخيلتنا لفترة طويلة جداً، وأعطت لكل مراحل حياتنا معنى.

فما أحوج كل طفل اليوم إلى سماع أغاني نجاة والتعرف على أيقونات الفن الجميل وعمالقته، لمساعدته على تنظيف حواسه وأحاسيسه مما علق بها من تلوث، وإتاحة الفرصة له لأرشفة ذكريات تساعده على تكوين رصيد عاطفي ومعنوي وترقى بذائقته عند الكبر.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

21