مدن الألعاب تعلم الأطفال خوض صعوبات الحياة العصريَّة

لم يعد إنشاء مدن الألعاب في المدن الكبرى ترفا بالنسبة إلى الأطفال بل صار ضّرورة ملحّة، لما فيها من احتياجات نفسيَّة وتربويّة للأطفال، نظرا لأن الأطفال الذين يولدون في مُدن مكتظّة، ولا يجدون في فترات أعمارهم المبكرة أماكن مناسبة للعبهم ولهوهم سيكونون عرضة لشتى الأمراض النفسية والبدنية.
الاثنين 2016/04/18
كلما ارتفع عمر الطفل ازداد شغفه باللعب

عملت الكثير من الدول الخليجية والعربية على إنشاء الملاعب الخاصة بالأطفال في مدنها، ومن بين هذه الدول المملكة العربية السعودية، فقد وضعت بلداياتها ضوابط وشروطا خاصة لإنشاء هذه الملاعب، تتعلق بالمساحة وشكل الألعاب، ونوعية المادة المُصنعة منها ومواقع هذه الألعاب. وهناك دول عربية أخرى كمصر والجزائر وتونس والمغرب نهجت الأسلوب ذاته، لكنها لم تراع جميع الشروط المطلوبة في هكذا ملاعب. والسبب في هذا يعود إلى أن بعض المشرفين عليها لم يؤمنوا بعد بضرورتها أو أهميتها في التربية المجتمعية للأطفال.

وأجريت دراسة بجامعة بريتيش كولومبيا الكندية، حول ملاعب الأطفال، فوجد المشرفون عليها أن قضاء الطفل ساعتين أو أكثر في ملاعب عامة للأطفال تفيده نفسيا وصحيا. كما أنها تنمي لديه ملكاته العقلية، وقابليات اجتماعية مختلفة. كما أنها تكشف مواهب لا يعرفها الأهل في طفلهم: كالقيادة، الروح الرياضية، نكران الذات، حب النظام، نبذ الفردانية، كره التسلط، إنشاء علاقات إنسانية مع الأطفال الآخرين، والعمل مع الأطفال كفريق واحد.

وأضافت الدراسة بعدا جديدا في فهم رغبات الأطفال، وذلك من خلال البحث في سلوك 150 طفلا تراوحت أعمارهم بين 3 و11 عاما واستمر البحث الميداني لمدة سنة كاملة. ووضع الباحثون خلالها تصرّفات الأطفال أثناء اللعب تحت مجهر البحث، وذلك من خلال تسجيل أكثر من مئة ساعة تسجيل فيديو لهم في ملاعب عامة.

وتوصلوا إلى نتائج مهمة، من بينها أن ما يصاحب الفرد الناضج من مشاعر أنانية وحب العزلة، ومشاعر الكآبة والبحث عن وسائل انتهازية للوصول إلى أي هدف يحدده لنفسه في المستقبل يبدأ في مراحل الطفولة المبكرة، ويبدأ عادة حين يحرمه الكبار من ممارسة ألعابه بأي ذريعة لتبرير منعه، كالخوف عليه، أو لعدم توفر وسائل اللعب، أو لظن الوالدين أن اللعب مضيعة للوقت أو غير ذلك من التبريرات.

ووجدت الدراسة أيضا أن الأطفال بين السنة الثالثة والخامسة ميالون لأنكار ذواتهم من خلال السماح لمن كان بعمرهم بالمرور للعب بلعبتهم المفضلة بل ومساعدتهم للاستمتاع بتلك اللعبة، ووجدت أيضا أنه كلما ارتفع عمر الطفل ازداد شغفه باللعب، وميله للتميز أمام أقرانه، حتى لو أخذ دور غيره في اللعب.

ووجدت أنه كلما فقد أحد الأطفال دوره في اللعب ازدادت عدوانيته، وتضخمت لديه مشاعر الغضب، والبحث عن طريقة ما لإيذاء غيره من الأطفال أو للتجاوز على حقوق من هم أقل منه عمرا.

ملاعب الأطفال جزء لا يتجزأ من الفضاء الترفيهي والتعليمي تقام للمساعدة في نضوج الطفل العاطفي

كما شددت على ضرورة توفر مساحات خضراء في ملاعب الأطفال، لكسر رتابة و كآبة المكان، وأعطت مواصفات هندسية لمساحات هذه الملاعب ومواقعها، وأَنواع الألعاب التي من الواجب توفرها، وحددت المواد التي تصنع منها هذه الألعاب لكي لا تؤثر على صحة الأطفال كأنواع من المطاط المعاد تدويره أو ما يسمى بالإطارات المجزأة لما فيها من مواد كيميائية سامة تتسبب في السرطان للأطفال أو تعرضهم لحوادث مؤسفة كبعض الألعاب، التي تستخدم فيها المعادن، كالحديد والبرونز، ووسائل حركة، كمحركات الديزل والطاقة الكهربائية.

وفي هذا السياق يقول الدكتور محماد لطيف الفائز بجائزة رابطة الأمل للطفولة المغربية، لبحثه عن السبل الكفيلة بالنهوض بأطفال المغرب “من الضروري الاحتكام إلى المقاربة السليمة في معرفة واقع الطفل المغربي واحتياجاته الضرورية”. وأضاف الدكتور لطيف “ولن يتم هذا من دون الاسترشاد بآراء المختصين، ووضع الدراسات والبحوث التي تقدم التشخيص الجاد للكثير من المعضلات التي يواجهها الأطفال في بلادنا لعلاجها بشكل علمي وواقعي”.

وأوضح قائلا “فملاعب الأطفال جزء لا يتجزأ من الفضاء الترفيهي والتعليمي لأي مدينة متحضرة، وتقام للمساعدة في نضوج الطفل العاطفي والإنساني والخبراتي، وعلى المختصين تحديد شكلها بما يتناسب مع الأعمار التي تستخدمها، وكذلك اختيار أنواع الألعاب التي توضع فيها، وتحديد مواقعها في المدن الكبيرة لتقع ضمن ساحات وسطية قريبة من الأحياء الكبيرة، لضمان وصول الطفل إليها بسهولة، وأن لا تترك هكذا، بل يتم تعيين مشرفين عليها، والاسترشاد بآراء مختصين في علم النفس والاجتماع في جميع شؤونها”.

ويرى الباحث في شؤون الطفولة الدكتور عبدالكريم عطا أن ملاعب الأطفال للتّرفيه وتعلّم خوض صعوبات الحياة العصريّة، لكنها في بلداننا قليلة وغير كاملة المرافق، فاللعب بالنسبة إلى الطفل هو جزء من سيرورة الذات العاقلة ونموها، وهو التدريب الأولي للطفل على ممارسة حياة الكبار، وإن كان ذلك بشكل مبسط، ففيه يتم كل ما في حياة الكبار من تنافس، وجدية، ومحاولة للحصول على أكبر قدر من اللذة بتحقيق الذات من خلاله.

ولكن الأسئلة العالقة تبقى حاضرة، ومنها، هل الملاعب الحالية التي توجد في بعض الدول العربية راعت مساحات اللعب وفق نسبة عدد الأطفال، الذين يستخدمون هذه الملاعب لمنع الازدحام أثناء اللعب، وحتى لا يتسبب الازدحام في حوادث مؤسفة للأطفال، كالاصطدام بينهم، مما يسبب كسورا، وارتجاجا في المخ لعدد منهم؟ وهل وضعت هذه الملاعب ضمن مواصفات تخطيطية عمرانية للمدن، كأن يكون وصول الطفل إليها محميا من حوادث السيارات في الشوارع، المؤدية إلى كل ملعب؟ وهل وضعت في كل ملعب مرافق صحية، ومغاسل وصنابير ماء صالح للشرب، وأماكن مظللة بالأشجار لجلوس الأهل لمتابعة أبنائهم؟

وأضاف الدكتور عطا قائلا “إن مساحات الملاعب المخصصة للأطفال، كما أشارت دراسات متخصصة، إلى ضرورة أن تكون مساحة الملعب 450 مترا مربعا لكل 50 طفلا، وأن يتم تحديد مساحة 120 مترا مربعا لمرافقي الأطفال، وإضافة 150 مترا مربعا لنصب ديكورات، كلمسة جمالية على الملعب. كما أنه ليس من المفروض أن يكون الملعب جزءا من حديقة عامة بل يمكن جعله مكانا مستقلا بألعاب الأطفال في مساحة من الحي أو في مول تجاري، أو حتى في ساحة المدرسة.

21