مدن الرواية العراقية الجديدة: نهب وقتل وفوضى وخراب

الثلاثاء 2013/09/10
"يا مريم" محنة الأقليات الدينية في العراق

في العديد من الروايات العراقية التي صدرت بعد 2003، يتوفر فضاء تسجيلي يعتني بنوع من التفاصيل الخاصة بأحداث ما بعد التغيير في تركيزها على الخراب في البنية التحتية للدولة، وظهور أشكال غير معروفة للتجاوز على حرمات الآخرين وما يمتلكون ممثلا بمظاهر القتل على الهوية ومصادرة ونهب أموال الدولة وأموال الناس، والاعتداء على الدوائر الحكومية والمدارس وحرقها أو هدمها للحصول على بعض المنافع الرخيصة، إضافة إلى مظاهر الخراب الذي سببه دخول القوات الأجنبية إلى العراق منقولا من الواقع مباشرة أو عبر الفضائيات في الروايات المكتوبة في المنفى.

سنحاول في هذا المحور كشف هذه التجاوزات التي سببتها الحرب وتجاهل القوات الأجنبية التي احتلت العراق لهذه الأعمال، بل تشجيعها، وقد أسهمت هذه الظواهر الغريبة في فضاء هذه الروايات في أن يصبح المشهد متكاملا أمام المتلقي وصولا إلى قراءة الفضاء التخيلي لهذه الروايات لكشف وجهات نظر كتاب هذه الروايات والتقنيات التي استثمروها في إيضاح وجهات نظرهم السياسية والجمالية عن هذا التغيير.

ماض معطوب


يتكشف الجو الكابوسي في رواية "لعنة ماركيز" للكاتب ضياء الجبيلي التي كتبت في وقت مبكر من دخول القوات الأجنبية إلى مدينة البصرة، حين يعلن ساردها عن فوضى هائلة في دائرة البريد التي يعمل بها ومن خلال هذه الفوضى يتم إعدام آلاف الرسائل والبرقيات وبطاقات الزواج بعد أن تعرّضت الدائرة إلى"موجة السلب والنهب التي اجتاحت مدينة (وان) اللصوص الذين لم يدخروا جهدهم من أجل سرقة كل صغيرة وكبيرة من ممتلكات الدائرة"، وتستطرد بداية الرواية في كشف تفاصيل هذه الممتلكات ابتداء من أجهزة الحاسوب ومكيّفات الهواء والأبواب والشبابيك وصولا إلى "كرات الخيوط الصغيرة ومغازل الحياكة وأكياس البطاطا (…) ورضاعات الأطفال في الخزانات الصغيرة للموظفات".

وبالشكل الذي يكشف أن عالم الماضي القريب قد أصابه العطب في كل مرافقه الكبيرة والصغيرة، وتبدو دائرة البريد فضاء مصغرا لما أصاب مدينة البصرة من تخريب بعد دخول القوات البريطانية إليها، غير أن السارد لا يكتفي بهذه الخلاصة المكثفة لفضاء المدينة المعطوب بالاحتلال، بل إن الراوي يعمد إلى العثور على مظروف خمن أن بداخله "مجموعة شعرية أو قصصية أو ربما رواية ودراسة نقدية"، وكل ذلك يمهّد إلى اكتشاف مخطوطة رواية مجهولة الاسم والمؤلف، تشي بجبروت وتسلط الماضي ووحشيته وجبروته قبل سقوطه وتأثيره العميق في تشظي الفضاء الإنساني وغياب العدالة فيه، من خلال موجة الإعدامات والقتل الغامض التي تطال الشخصيات الروائية في المخطوطة تعبيرا عن واقع الحال، ويبدو ذلك جليّا منذ بداية المخطوطة الروائية، ليصبح فضاء الحاضر بعد دخول القوات الأجنبية وفضاء ما قبل التغيير متطابقين في فوضاهما وفي انعدام الأمن والطمأنينة، وهي ثيمة تشترك فيها معظم الروايات التي تناولت واقع التغيير بعد عام 2003 دون أيّ إشارة صغيرة إلى أهمية هذا التغيير أو إلى ما يمكن أن يقدمه من بدائل للنظام المتداعي، ويتضح ذلك حتى في الروايات التي صدرت بعد التغيير بسنوات عديدة.

في رواية ضياء الجبيلي الثانية "وجه فنسنت القبيح" (عام 2009) سرد خبري تسجيلي عن واقع الاغتيالات في مدينة البصرة بعد الاحتلال مباشرة فقد اغتيل أحد الروائيين بأيد مجهولة وكانت "تلك أول جريمة من نوعها التي تحدث في البصرة بعد دخول القوات البريطانية التي أخذت على عاتقها القيام بمهام الشرطة المحلية التي اعدم وجودها حينذاك"، ويضيف الخبر "بعد ذلك اليوم عثر على جثة أخرى عائدة إلى أحد الحزبيين الكبار في منطقة الجمهورية (ثم) تصاعدت وتيرة القتل والتصفية الجسدية فيما بعد (…) حتى أن المدينة صارت موحشة تماما ومليئة بالقتل والمافيات المسلحة (…) فضلا عن جرائم القتل والخطف والابتزاز والاغتصاب وجرائم القتل الطائفي والعرقي وغيرها".

ومن الأحداث التسجيلية التي يخبر عنها الرواي العليم في هذه الرواية بداية المواجهة المسلحة ضد القوات البريطانية في البصرة ويتضح ذلك من خلال أسئلة المحقق البريطاني بيتر إلى مرافقيه "عن مصدر قذائف الهاون التي استمرت بالسقوط طوال الليل على البساتين المتاخمة للقصر" الرئاسي الذي اتخذته القوات البريطانية مقرا لها بعد الاحتلال.


مشاهد الخراب


أما رواية عبد الزهرة علي "رياح السموم" (عام 2010)، فيتكشف فضاء الرواية فيها منذ صفحاتها الأولى على مشاهد الخراب الذي أحدثه الاحتلال من خلال عيّنات عشوائية في سوق شعبي عشوائي أخذت فيه البسطات "تلتهم كل الرصيف وتجاوزت إلى إسفلته القيري (…) أنواع كثيرة من الأثاث الفاخر والمواد الكهربائية وعبوات كارتونية تحتوي على أقراص الأدوية المتنوعة، تجاورها أجهزة طبية وحاسبات إلكترونية وفي انعطافة قريبة تجمع حشد من الشباب حول أحدهم صفت أمامه قناني الويسكي وعلب البيرة من مناشئ مختلفة تقابله مواد إنشائية مبعثرة وأدوات احتياطية لسيارات حديثة"، إضافة إلى أسلحة من مختلف الأنواع، وكل ذلك يذكرنا بالأيام الأولى لدخول القوات الأجنبية إلى العراق حيث حلت الفوضى في كل مكان، والرواية لا تكتفي برصد هذا الجوّ، بل يعمد ساردها إلى كشف التحوّلات الشاذة في البنية الاجتماعية والاقتصادية، حين استولى نفر من الناس على أموال الدولة من خلال السطو على ممتلكات البنوك والمحلات التجارية وأسواق الذهب، لتتكون فئة جديدة من الأغنياء كانوا قبل الاحتلال من فقراء الناس مثل "أبو سلمان العتاك" الذي أصبح شيخا وحصل على هوية تثبت لقبه الجديد، من مجلس شيوخ العشائر وهو يعمد إلى تكبيرها وتأطيرها لتعلق في مضيفه الذي لا يزوره إلا المعوزين من الناس الفقراء.

ويقدم الروائي العراقي عبد الزهرة عيّنات أخرى، تكشف التغيرات المأساوية في مجتمع الرواية، تأخذ فيه الشخصيات التي تسير وفق اتجاه ريح السموم مكانة خاصة في هذا الفضاء. ومن خلال هذا التوصيف يشير الروائي إلى نتائج الحرب بمثل هذه العينات التي ترمز إلى التحوّلات الغريبة في كل مناحي الحياة بعد الاحتلال.


سرقة الآثار


وتسرد رواية "جنة العتاد" للروائي إبراهيم سبتي، أخبارا عن سرقة الآثار العراقية وتهريبها إلى الخارج، ويروي السارد نماذج من مهربي الآثار، وانتقال أحوالهم من الفقر إلى الغنى "فاجأنا أحدهم بحديث عن أحد معارفه التقاه هناك وكان متغير الحال، صار من الميسورين الأثرياء وتملكه الفضول – المتحدث- ليسأله بمزاح الأصدقاء عن حالة الثراء الفاحشة، ردّ عليه وكأنه ينتظر السؤال ليظهر فخره وانتصاره ورجولته : – أبيع آثارا". كما سجلت رواية "جنة العتاد" الانفجار الذي حدث في شارع المتنبي، وأحرق معظم مكتبات ذلك الشارع. إن إيراد هذه المقاطع إيضاح لعملية رصد الوقائع التسجيلية في رواية ما بعد التغيير، بشكل حيادي ودون تعليق من السارد، على الرغم من وضوح وجهة نظر السارد الضمني/المؤلف بإدانة هذه الأعمال، لكن الملاحظة التي ينبغي تسجيلها هنا، إن هذه الروايات تكتفي بتسجيل وقائع الخروقات الخطيرة التي ترتكب، كالسرقة والمتاجرة بالممنوعات والتخريب والقتل المجاني، دون وقفة متأملة لحياة الناس في مثل هذه الخروقات التي تمثل نسبة متواضعة، نسبة إلى التغيير الذي حصل في حياة الناس، الروحية والاقتصادية وحتى العائلية بالشكل الذي يرسم صورة متكاملة للتغيير.


عيون المغتربين


واستكمالا للجانب التسجيلي للأحداث في هذه الروايات وتأثيرها على مجتمعات هذه الروايات سنعمد إلى إيراد نموذج تسجيلي من إحدى الروايات المكتوبة في الخارج، وهي تستقي أحداثها مما بثته الفضائيات للعالم من معالم التخريب الذي أحدثته القوات المحتلة في البنية التحتية للدولة، بسبب أن الفضائيات كانت النافذة الوحيدة للمغتربين العراقيين، وسنجد أن الروايات التي كتبها روائيون عراقيون مغتربون تمثل إضافة مهمة تستفيد من التقنيات الحديثة في رصد الأحداث التسجيلية أثناء دخول القوات الأجنبية وأثناء تواجدها على أرض الواقع المعيش.

ومن الروايات التي رصدت هذه الأحداث رواية " بيتهوفن يعزف للغرباء" للروائية فاتن الجابري، فقد ورد في فصولها الأخيرة وتحديدا بداية من الفصل الثامن والعشرين سرد مكثف للمظاهرات الكبيرة التي عمّت العالم الغربي احتجاجا على الاحتلال، إضافة إلى منتجة للبث الفضائي، يسرد ويضيء انتقالات الكاميرا إلى زوايا متنوعة تسلط الضوء على هذا الدمار والتخريب "مدن العالم تغلي وتستعر غضبا وتظاهرات تندد بعزم دول التحالف شن الهجوم العسكري على العراق" وأيضا قولها:"مشينا في شوارع المدينة نحمل يافطات بكلمة واحدة بكل لغات العالم لا للحرب"، و الدم النازف يغلي في الدروب السحيقة الخطرة، يغلي في الأزقة الضيّقة على السطوح بين الأشجار ومن قمم المآذن والكنائس وأصوات الصواريخ تجلد المدينة والقرى المختبئة خلف البساتين" وأيضا "من هؤلاء الذين يتراكضون بتلك اللقطات الفلمية عبر شاشات التلفاز يحملون على رؤوسهم غنائم الحرب يقتحمون مؤسسات الدولة يحرقون أخضرها ويابسها؟" وفي موضع آخر "جنود رموا أسلحتهم بياس وعادوا حاسري الرؤوس بلا خوذهم الحربية".


محنة الأقليات


وتعرض رواية "يا مريم" (عام 2012) للروائي سنان انطوان الصادرة عن دار الجمل، محنة الأقليات الدينية بعد التغيير، وقد عرضنا تفاصيلها في مقال خاص في جريدة العرب اللندنية.

أما رواية "هياكل خط الزوال" (عام 2009) للروائي مهدي علي زبين التي تسرد أحداثها بعيني كلب، فهي تؤرخ للصراعات الدموية الطائفية التي انفجرت وتسببت في قتل المئات من العراقيين، وعطلت الحياة وسببت هجرة داخلية واسعة، وفيها توصيف لانتشار الجثث في الطرق والبساتين والمنعطفات والأنهار، وليس هناك من يتبرع بدفنها.

إن استنطاقنا للجانب التسجيلي في بعض الروايات العراقية الصادرة بعد عام 2003، الخاص بالمهمات القتالية التي خربت البنية التحتية للدولة العراقية وما رافق ذلك من أحداث مأساوية تمثلت في النهب والسلب وضياع الأمن والتركيز عليها في بداية قراءتنا يمثل من وجهة نظرنا خلفية ابتكرتها القوات الغازية، بشكل مقصود كي تسهم في تشظي الواقع التسجيلي المعيش في هذه الروايات، ومن خلال هذه الخلفية سنجد أن التحولات المأساوية في الشخصيات الروائية وتشظي البنية الروائية في هذه الروايات التي نتخذها نموذجا للقراءة هي نتائج متوقعة لهذه الخلفية.

15