مدن السيارات!

الأربعاء 2013/11/20

تتفاقم مشكلات في عواصم وحواضر عربية قل أن نجد ما يماثلها في مدن العالم. من هذه المشكلات البارزة الازدياد الهائل في عدد المركبات التي تختنق بها الشوارع. من القاهرة إلى بيروت وعمّان فالجزائر ومدن أخرى، تبدو هذه المشكلة بصورة صارخة. يتم السعي إلى معالجتها ببناء جسور علوية، وأنفاق سفلية بكلفة باهظة لاستيعاب العدد المتزايد من المركبات، لكن ما تستوعبه الأنفاق والجسور يتلاشى أثره مع تزايد عدد المركبات لاحقا.

للمشكلة أضرار جسيمة على البيئة (التلوث) وعلى حالة الطرق، والاستهلاك الفادح للبترول، وعلى تبديد وقت السائقين وإتلاف أعصابهم.

من يرغب في معالجة مشكلة لا بد له من معرفة سبب حدوثها. والسبب الملموس للتضاعف الدوري في عدد المركبات، هو افتقاد شبكة نقل ومواصلات عامة تغطي أنحاء المدينة، وتستوعب الأعداد المتزايدة من السكان. مع افتقاد وسائل النقل يضطر الناس من الطبقة الوسطى ومن هم على حافة الفقر، إلى اقتناء سيارة خاصة. ثم يتحول امتلاك السيارة من الضرورة وسد الحاجة، إلى ثقافة ونمط حياة.

لدى كاتب هذه الكلمات قناعة بأن مدينة بلا مواصلات عامة تجمع الناس، هي مدينة بلا روح.

زميلة عربية قادمة من باريس زارت عمّان العام الماضي وسألتني: ألا توجد عندكم مواصلات عامة سوى التكسي الأصفر؟ أجبتها هناك شبكة قديمة للحافلات مع إضافات ضئيلة عليها لا تلبّي الحاجة أبدا (سكان المدينة زهاء ثلاثة ملايين نسمة). تنهدت الزميلة قائلة: خسارة.. لن يمكنني بذلك التعرف على أناس مدينتكم.

الزميلة معها حق. فالحافلات (كالقطارات) تجمع الناس جنبا إلى جنب ووجها لوجه، وتديم الألفة بينهم. بينما الاستخدام الدائم والكثيف للسيارة الخاصة يعزز العزلة والنزوع الفردي.

هل إنشاء شبكة مواصلات عصرية وشاملة، يحتاج إلى عقل عبقري وأموال فلكية؟ ربما! لقد كان لدينا مثل هذا العقل وتلك الأموال قبل أربعة عقود، وفقدناهما..

24