مدن المستقبل خضراء مزهرة

إعادة الطبيعة إلى المدن المكتظة تعزز مفهوم التنمية المستدامة.
الجمعة 2021/07/30
حياة مرحة في فضاء أخضر رحب

تطور مفهوم التنمية المستدامة مع تزايد الوعي بخطر التلوث منذ أواخر القرن الماضي، وبدأ العالم يشهد اليوم زخما في مجال تخضير المدن بالحدائق العامة وأحواض الزهور البسيطة على الأرصفة وأسطح المباني للتخفيف من الغازات والآثار المدمرة للاحترار على الطبيعة وحياة الناس والكائنات الحية.

باريس - ازدهرت المواقع الخضراء في المدن الكبيرة، سواء أكانت مزروعة على سطح مبنى مرتفع في نيويورك أو على إحدى عمارات ميلانو أو على مستوى الأرض في الصحراء السعودية أو في شوارع ميديلين.

ثمة إجماع في العالم اليوم على ضرورة إعادة الطبيعة إلى المدن، إذ أن المناطق الحضرية تشكّل مصدرا لنحو 70 في المئة من الغازات المسببة لمفعول الدفيئة. وبغض النظر عن وتيرة خفضها، يتوقع أن تتسارع الآثار المدمرة للاحترار على الطبيعة والكائنات الحية وتصبح ملموسة قبل مدة طويلة من سنة 2050، وفقا لمسودة تقرير أعده خبراء المناخ في الأمم المتحدة.

ويشهد العالم اليوم زخما في مجال تخضير المدن، من أحواض الزهور البسيطة على الأرصفة إلى المباني الأكثر جنونا.

وهذه الفكرة جديدة إلى حد ما، بحسب الخبراء، إذ أن النموذج المُدُني بدأ يتغير في أواخر تسعينات القرن الماضي مع بروز مفهوم التنمية المستدامة.

ويمكن بفضل الجدران والأسطح الخضراء خفض درجة الحرارة في تسع مدن في أنحاء العالم بما بين 3.6 و11.3 درجة مئوية في أشد الأوقات حرارة، وفقا لتقرير “الطبيعة في المدن” الذي أصدرته الوكالة الفرنسية للتحول البيئي.

ويضم موقع “ذي.غاردنز باي.ذي.باي” الواقع قرب حي الأعمال الجديد في سنغافورة 18 “شجرة” خرسانية عملاقة مكسوة بالنباتات المورقة يتراوح ارتفاعها بين 25 و50 مترا، وتعلوها ألواح شمسية تتيح إضاءتها ليلا، فتبدو أشبه بصحون طائرة.

أما “فلاور دوم” فهي عبارة عن خيم زراعية ضخمة مصنوعة من الفولاذ والزجاج تحتضن حديقة نباتية ملونة تضم عشرات الآلاف من الأنواع النباتية النادرة من القارات الخمس. وتتألف غابة “كلاود فورست” من جبل اصطناعي له شلاله والنباتات التي تنمو عادة على ارتفاع 2000 متر.

الجدران والأسطح الخضراء والحدائق خفضت درجة الحرارة في تسع مدن في أنحاء العالم بما بين 3.6 و11.3 درجة مئوية

وبدأ العمل على المشروع عام 2006، وافتُتِح عام 2011 على مساحة 101 هكتار، وفاز في السنة التالية بجائزة “وورلد بيلدينغ” لأفضل مبنى في العالم.

ووسط المباني الشاهقة والمداخن العالية والطرق ذات الحارات الأربع في الأسفل في نيويورك، تقع حقول مزروعة بالفجل والكراث والخس على قطعة أرض تتجاوز مساحتها 14 ألف متر مربع. إنه أحد أكبر الأسطح المزروعة في العالم، ويقع في الطبقة التاسعة من مبنى في “سانست بارك” في نيويورك.

وتساهم هذه المزرعة المفتوحة للراغبين في التنزه وفي شراء الخضر، في خفض الحرارة وتحسين جودة الهواء وإثراء التنوع البيولوجي، إذ تشاهَد فيها طيور صغيرة تنقر البذور وأخرى جارحة كالصقور ذات الذيل الأحمر.

وأطلق هذا المشروع الرائد قبل عشر سنوات، وهو يمتد الآن على أسطح ثلاثة من مباني نيويورك بمساحة إجمالية تزيد عن 22 ألف متر مربع، يُزرع فيها أكثر من 45 طنا من المنتجات العضوية سنويا.

أما “بوسكو فيرتيكاليه” أو “الغابة العمودية” فهي عبارة عن غابة تبلغ مساحتها هكتارين ولكن بشكل عمودي، تضم 20 ألفا من النباتات والأشجار موزعة على مبنيين في وسط حي بورتا نوفا في ميلانو.

وعلى كل شرفة من هذين المبنيين تنمو العشرات من النباتات أو الأشجار، كالأركس والكرز والتفاح والزيتون والزان، موزعة بحسب قدرتها على مقاومة الرياح والظروف الأنسب لها من حيث الضوء أو الرطوبة.

حديقة عمودية تسر النظر
حديقة عمودية تسر النظر

وأنجز بناء “بوسكو” عام 2014، وحصل عام 2015 من مجلس المباني الشاهقة والمناطق السكنية الحضرية في شيكاغو على جائزة أجمل مبنى في العالم.

وتبدو “المزرعة العمودية” المقامة في إحدى ضواحي كوبنهاغن وكأنها عمل تجهيزي ينتمي إلى الفن المعاصر، إذ تتوزع فيها براعم خضراء صغيرة مضاءة بهالة أرجوانية في الظلام، على خزائن معدنية منتشرة من الأرض إلى السقف.

وتمتلئ مساحة “المزرعة العمودية” البالغة سبعة آلاف متر مربع برفوف على 14 مستوى يبلغ ارتفاعها عشرة أمتار، مضاءة بما مجموعه 20 ألف مصباح “ليد”. وتنتج هذه المزرعة سنويا ما معدله 15 محصولا من الخضر والأعشاب.

وتتولى روبوتات مهمة حمل البذور والبستنة في هذه المزرعة المقامة في حظيرة في منطقة تاستروب الصناعية في كوبنهاغن، وافتتحتها في ديسمبر شركة “نورديك هارفست” الدنماركية الناشئة.

ويلحظ مشروع “الرياض الخضراء” في المملكة العربية السعودية زرع 7.5 مليون شجرة بحلول سنة 2030، معظمها من أشجار أكاسيا التي تتحمل مناخ المنطقة الجاف، وإنشاء أكثر من ثلاثة آلاف حديقة داخل الأحياء السكنية.

وتبلغ تكلفة المشروع 11 مليار دولار وسيتطلب مليون متر مكعب من المياه المعالجة يوميا، تؤمن بإعادة تدوير مياه الصرف الصحي بواسطة نظام الري الجوفي.

ويؤكد مدير المشروع عبدالعزيز المقبل أن “التأثيرات المباشرة ستساعد على خفض درجة الحرارة بمقدار درجة أو درجتين مئويتين”.

ويضيف “سنعمل على تحسين نوعية الحياة، مما سيحسن البيئة المدنية ويحد من تلوث الهواء ومن الغبار. كذلك سيساهم المشروع في تعزيز العلاقات الاجتماعية بين الناس ويحسن صحتهم”.

وكانت طرق ميديين في كولومبيا محرومة من الطبيعة، ويطغى عليها الحرّ، ومتروكة للنفايات أو لمدمني المخدرات، لكنها حوّلت إلى 30 “ممرا أخضر” مزروعة بالأشجار والأزهار، “متصلة” بشبكة من المساحات الخضراء القائمة أصلا من الحدائق العامة أو المروج إلى الحدائق الخاصة.

وأتاح مشروع الشبكة الخضراء هذا لميديين، ثاني أكبر مدن كولومبيا، خفض الحرارة بمقدار درجتين مئويتين، للمساعدة في تنقية الهواء وإعادة النحل والطيور وإشراك السكان وتوفير فرص العمل، بحسب شريط فيديو للبلدية التي تدعم المشروع منذ عام 2016.

وحصل المشروع على عدد من الجوائز لمساهمته في “تحسين التنوع البيولوجي” و”خفض الحرارة” وتعزيز “رفاهية المواطنين”، بحسب موقع “سي 40 سيتيز”.

ومن الأعلى، يبدو المشهد في مدينة تشنغدو عاصمة مقاطعة سيتشوان في جنوب غرب الصين أشبه بباقة من المباني الخضراء وسط الحجر والخرسانة.

إنها ثمانية مبان خضراء زُرعت نباتات مورقة على شرفات شققها، ضمن مشروع تجريبي أطلق عام 2018 بعنوان “حديقة كيي الغابية”، فوق طريق سريعة مؤلفة من أربع حارات.

وتبدو بعض الشقق وكأنها كوخ مقام فوق شجرة، في وسط الغابة المطيرة ونقيق الطيور. ويقول لين دينجينغ، وهو أحد المقيمين إن ”نوعية الهواء جيدة صباحا”، مشيرا إلى أن رؤية “هذه الأشجار المليئة بالخضرة” تجعل كبار السن مثله يشعرون بالراحة.

20