مدن بلا أطفال مدن ميتة

مدن بلا صراخ الأطفال وضجيجهم وحركتهم لا تنبئ بشيء لأنها بلا وجه حقيقي يعكس ملامح المكان وتفاصيل الوقت.
الخميس 2018/04/12
المدن المليئة بالأطفال.. مدن تتنفس

أحب المدن بحسب تواجد الأطفال في شوارعها وأزقتها وحاراتها وملاهيها وحدائقها، لذلك لم تعجبني مدنا كثيرة رغم جمال مبانيها وعراقتها وحسن ضيافتها، وأعجبتني مدنا أخرى رغم بساطتها واحتشامها.

مدن بلا أطفال في الحياة العامة مدن ميتة، وإن تنوعت أشكال الحياة فيها، ومهما بلغ جمالها فإنه يظل ناقصا إذا لم يقطع عليك طفل الشارع وهو يجر عربته الخشبية أو يتزحلق من على هضبة أو يجري بين الأشجار والورود.

مدن بلا صراخ الأطفال وضجيجهم وحركتهم لا تنبئ بشيء لأنها بلا وجه حقيقي يعكس ملامح المكان وتفاصيل الوقت.

الأطفال بوصلة المكان، فأنت لن تصل أبدا إذا لم يستقبلك طفل في مكان ما بضحكته أو بندائه. لن تشعر أبدا بأنك في مكانك إلا إذا وجدت من يذكرك بالأرض والحياة والطفولة. يحب البشر أن يجدوا طفولتهم في انتظارهم، فإذا لم يجدوها تاهوا وفقدوا الاتجاهات.

أحب المدن المليئة بالأطفال لأنها مدن تتنفس، ولأنها مدن صديقة لكل ما هو سواهم، فوجود الأطفال في مكان ما يعني أنه مكان آمن وقريب وحميمي، كما أنه مكان يحيا ويتنفس.

رأيت مدنا بلا أطفال وآلمني منظر الشرفات الخالية من ملابس الرضع ومناديلهم، آلمني ألا أرى دراجات صغيرة مركونة قرب الجدار أو كرات موزعة في أطراف الحدائق.

بعض المدن تنسى أطفالها، فلا تترك لهم مساحة للتحرك داخلها بشكل حر وآمن، تنسى أن توزع الحدائق العمومية في أنهجها وتعلق في أشجارها الأراجيح.

المدن التي ليس بها أطفال، وقد رأيت بعضها، لا تُعيدك إليها، بل بالعكس فأنت تخرج منها فارا من فقر روحها وشيخوخة قلبها

إذا مشيت في مدينة مسافة كيلومتر واحد من دون أن تصادفني حديقة ألعاب بألوانها الزاهية أتألم، وإذا اعترضتني أم تمسك بأطفالها الأربعة بكل قبضتها وتجرهم خلفها على رصيف ضيق لا يتسع لاثنين أتألم.

هناك مدن تفضل أن تسير في شوارعها السيارات والدراجات النارية على أن يجري في شوارعها الأطفال بكل حرية وتلقائية، ومدن تترك المسافات شاسعة لمكبات الفضلات بدلا من أن تصنع منها باركا للأطفال. هناك مدن تكره أطفالها حقيقة فتحبسهم داخل الجدران والأحجار عِوَض أن تطلقهم في الهواء ليتنفسوا ولتتنفس المدينة معهم. في كل صرخة يطلقها طفل هواء لا يلوث ولا يسبب الاحتباس أو الأمراض. في كل خطوة يمشيها الأطفال طريق تتعبد نحو المستقبل، في لهو الأطفال وضحكهم نقرأ ملامح التاريخ.

المدن التي ليس بها أطفال، وقد رأيت بعضها، لا تُعيدك إليها، بل بالعكس فأنت تخرج منها فارا من فقر روحها وشيخوخة قلبها، وفي نيتك أن تنجو بنفسك. وإن جعلوا منها جنة الله على الأرض، فإنها جنة هرمة، في حين تكفي صرخة طفل في زقاق قديم أو على سطح أحد البيوت لتجعل من مدينة ما لوحة فنية خالدة.

على المدن أن تخطط جيدا للعب الأطفال وحركتهم داخلها، وليس فقط لخط الترام والسكة الحديد وكيفية الوصول للمحطة الرئيسيّة، عليها أن تبدأ من الأطفال، من أرجلهم الصغيرة، من المدارس، من الأراجيح، من الطرقات السهلة، من الأشجار، من حدائق الحيوانات، والمنتزهات والمياه، لأن الطفل قلب كل مدينة ومركزها وحقيقتها الأعمق، لأنه العملة التي تستقبل الغريب وهو يدخل المدينة، والساعة التي تتوسطها ليجد نفسه كلما فقدها، والمحطة التي ستأخذه إلى كل مكان، واللغة التي يفهم من خلالها ثقافة وتركيبة المدينة. هو المفتاح باختصار.

21