مدن تسكعت فيها قبل عربدة كورونا

لندن: مدينة الفخامة والتقاليد في كل شيء، حتى لدى الثائرين على التقاليد. إنهم يذهبون بعيدا نحو الآخر ولكنهم لا يستخدمون أيديهم إلا للمصافحة.. ربما كانت لديهم وسائل أخرى.
الثلاثاء 2020/04/21
مدن تعربد فيها أشباح كورونا بعد أن كانت عامرة

المدن كالنساء.. منها المتّشحات بالأسوار والأسرار والحكايا،  والمحصّنات بقلاع نظنّها كانت منيعة.

ومنها المتبرّجات على الشواطئ والأنهار والغرباء. ومنها من تحمل رائحة القرية.. تماما كحبّ المراهقة الأولى.

لا تدخل مدينة دون حقيبة ولا تضيّعها فيها لأنك سوف تحتاجها عند الخروج. لا تبحث عن مدينة في مدينة فلن تجدها. لا تنس لكنتك فيها وليعتد لسانك مذاق طعامها قبل لغتها.

هذه مدن كانت عامرة بصخب الحياة وزهوها قبل أن تعربد فيها أشباح كورونا، وتجوع فوق أبراجها الحمائم. 

ـ باريس: مدينة الذين لا مدن لهم. يكاد المرء يجد مفقوديه وفاقديه فيها.

هنا أروع رائحة قهوة في الصباح. فيها تعشق لحظة فتح الجريدة وتترحّم على مونتسكيو وروسو وفولتير.. وتكاد تعشق سجنا كان اسمه “الباستيل”.

ـ أمستردام: المدينة الهاربة من دفتر طفل. درّاجاتها الهوائيّة غالبا ما أتعدّى على ممرّاتها وأظنها أرصفة للمتسكّعين. ورودها تنبعث منها أنغام جاك بريل، وهي تقتدي بسيرة بحّارتها المجانين. أولئك الذين أسّسوا نيويورك وغزوا إندونيسيا ثمّ جلسوا يشربون البيرة ويغازلون “النساء المرافئ”.

ـ بروكسل: ثنائيّة ثقافية وتعايش غريب بين قوميتين، توحّد بينهما أجراس الكاتدرائيات في تناغمها مع روائح المحار، البطاطا المقلية، والشوربة السّاخنة كعواطفهم التي تخفّف من برودة الأوروبيين.

ـ روما: مدينة الجنون الممتع والتطرّف في الملذّات وكأنها تسخر من تاريخها وأوابدها وتتآمر على قياصرتها، أمشي فيها كقرطاجي أسير ومهزوم بفتنتها وأتساءل: كيف وجد أجداد هؤلاء الوقت الكافي للنحت والمعمار والحروب.

ـ برشلونة: هذا هو شارع “لارمبلا” أو الرملة بالعربي. وهذا هو تمثال كريستوف الذي يشير بيده إلى البحر ـ سامح الله الإدريسي الذي أمدّه بالخرائط ـ وهذا أنا أستظلّ تحته مثل هنديّ أحمر يكاد يهرب من جداريته.

لندن: مدينة الفخامة والتقاليد في كل شيء، حتى لدى الثائرين على التقاليد. إنهم يذهبون بعيدا نحو الآخر ولكنهم لا يستخدمون أيديهم إلا للمصافحة.. ربما كانت لديهم وسائل أخرى.

ـ زوريخ: هل أنا أتجوّل في بطاقة بريديّة أم ماذا؟ لماذا يصرّون على صناعة الساعات وتصديرها إلى العالم؟ لماذا لا يحبّون المزح والاسترخاء ولديهم هذا الكم الهائل من البنوك؟

ـ برلين: كل شيء فيها جدّي وشاهق من هيغل إلى سيارة المرسيدس، مدينة لا تطلعك إلاّ على ما تقرّره وتختاره هي من ألبومها الشخصي، فهذه البوّابة دون سور وأقفال وحرّاس تماما مثل باب جحا في شرقنا الحائر. وهذه الأحجار الصغيرة التي تباع في الأكشاك هي من بقايا جدار كان يقسمها مثل سكّين ظالم.

24