مدن في المنطقة تفقد ملامحها: إفراغ على أساس ديني وطائفي وسياسي

تتصدّر الرايات الطائفية مقدّمة الدبابات التي تقصف مدن العراق وتلتحف بها ميليشيات تتخّصص في تهجير أهل هذه المدن والقرى، ضمن سياسة يعيش على وقعها العراق وجارته سوريا ومدن أخرى في منطقة الشرق الأوسط، يجري إفراغها من مكوناتها المجتمعية التاريخية بغرض إرساء مستوطنات على أساس ديني وطائفي وسياسي.
الجمعة 2016/10/14
واقع جديد يرسم على أنقاض آخر

أبوظبي - يصاحب صدى طبول المعركة التي تدقّ على أبواب مدينة الموصل العراقية صدى آخر لأصوات تحذّر من استمرار سياسة إفراغ المدن والتغييرات الديموغرافية التي شهدتها مدن عراقية، سواء خلال الحرب ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، أو في صمت عن طريق الميليشيات والأذرع الإيرانية التي تعمل على إفراغ قرى ومدن عراقية من مكوناتها، ومثلما حدث مع المسحيين واليهود في العراق وفي اليمن وفي سوريا، التي تشهد بدورها عمليات تهجير على أساس ديني وطائفي وسياسي.

ويرصد تحليل لمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، في أبوظبي، تصاعدا خطيرا لظاهرة إفراغ المدن والمناطق داخل المدن في عدد من دول المنطقة، بأشكال مختلفة ولدواع متباينة، منها استهداف المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة المسلحة وملاحقة التنظيمات الإرهابية والحد من سيطرة الميليشيات الطائفية، وإبعاد المناطق السكانية غير الموالية، وتزايد تأثير الأبعاد النفسية للصراعات الداخلية، ورفع منسوب الكراهية بين المدنيين والفصائل المسلحة، وتعميق التوترات الداخلية بين الفصائل المسلحة، واستفادة البعض من القوى الإقليمية من التحولات الديموغرافية، وتحييد القوى الإقليمية المنخرطة في الصراعات الداخلية، وتنامي اقتصاديات الصراعات المسلحة، وتزايد الميول المعادية للتنظيمات الإرهابية تجاه الأقليات، وإنشاء قواعد عسكرية أجنبية، وإزالة الذكريات التاريخية السيّئة.

وتتعدد أنماط الإفراغ في الإقليم لتشمل المدنيين والمقاتلين والأقليات والتنظيمات والأسلحة. وتتنوع الأساليب التي يوظفها الفاعلون الرسميون وغير الرسميين، ويستشهد التحليل لتوضيح هذه النقطة بحالة القوات النظامية السورية وحلفائها، التي تلجأ إلى الضربات الجوية المكثفة لتدمير البنى التحتية وقطع خطوط الإمدادات المائية والتيارات الكهربائية وتسييس سلاح المساعدات الإنسانية عبر منع وصول السلع الغذائية، فضلا عن استهداف المستشفيات والمدارس والأسواق والأفران، على نحو يقود إلى تهجير المدنيين وترحيل المقاتلين، سواء بالقوة المسلحة أو بالاتفاقات المحلية؛ في حين تلجأ فصائل المعارضة المسلحة والتنظيمات المتشددة إلى الرد بالوسائل العسكرية المناظرة.

تأثيرات عكسية

يؤدي إفراغ المدن من مكوناتها الرئيسية والتاريخية إلى تأثيرات عكسية ذات أبعاد إقليمية تصب في صالح جماعات الإرهاب والميليشيات. وقد حذر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في تقريره السنوي لعام 2016 من سياسة إفراغ المدن في سوريا من سكانها، إذ يتحول الصراع إلى حرب العصابات وخاصة في الأرياف، على نحو يخدم التنظيمات المتشددة وخاصة تنظيم داعش.

الحوزات تمارس دورا في التغيير الديموغرافي من خلال نشاطاتها في شراء العقارات من السنة بأثمان مغرية

ويلخص تحليل مركز المستقبل العوامل التي تفسر لجوء النظم الحاكمة أو حتى التنظيمات الإرهابية إلى سياسة “إفراغ المدن” في الشرق الأوسط، في مجموعة من المظاهر، وهي كالتالي:

* قضم المناطق: عن طريق إبعاد القطاعات السكانية غير الموالية واتباع سياسة “القضم البطيء” التي تعمل على تجزئة الجبهات والسيطرة التراكمية على قرية صغيرة ثم الانتقال إلى القرية التي تليها، ثم السيطرة على طريق أو أجزاء منه ثم إكمال السيطرة لاحقا وهكذا، إضافة إلى الاستمرار في تنفيذ خطة إبعاد المقاتلين المعارضين التي تطال منطقتي الهامة وقدسيا في شمال دمشق عبر اتفاقات محلية.

*التغير المذهبي: تعمل إيران على دفع مواليها في العراق وسوريا إلى تحويل البعض من المناطق إلى “مستوطنات” تابعة لها عبر تفريغها من سكانها وجلب طائفة معينة من التابعين لها لتحل محل السكان الأصليين.

وقد تم جلب أسر الميليشيات الشيعية من لبنان عبر القرى الحدودية إلى المناطق السنية في القصير بسوريا.

وفضلا عن ذلك، تمارس الحوزات دورا في التغيير الديموغرافي من خلال نشاطاتها في مجال شراء العقارات من السنة بمبالغ مالية تفوق أسعارها الطبيعية، وإحلال عائلات شيعية بدلا منها.

ويفسر ذلك ازدياد عمليات التشيّع التي تشهدها مناطق ريف حلب، لا سيما بعد سيطرة قوات الأسد والميليشيات المدعومة من إيران عليها. فقد حولت الكثير من المساجد في ريف حلب إلى حسينيات، بما يعني أن الهدف هو تغيير معالم المدن العربية، ثقافيا واجتماعيا وديموغرافيا، بحيث يتم قضم الأراضي العربية لصالح سكان إيرانيين وعناصر أخرى من الميليشيات الشيعية.

* الميول المعادية للتنظيمات الإرهابية تجاه الأقليات: وقد حدث ذلك في محافظة الموصل بعد تهجير متعمّد تعرض له سكانها المسيحيون في شمال العراق نتيجة تهديدات تنظيم داعش في منتصف العام 2014، حيث وضع التنظيم خيارات ثلاثة أمام المسيحيين تتمثل أساسا في: مغادرة المدينة، أو إعطاؤهم عهد الذمة (أي دفع الجزية مقابل الأمان)، أو إعلان الإسلام.

* إنشاء قواعد عسكرية أجنبية: سعى نظام الأسد إلى إفراغ المدينة الرياضية في محافظة اللاذقية من العائلات ونقلها إلى ريف الحفة بهدف تحويل المدينة إلى قاعدة عسكرية روسية، وفقا لاتجاه سائد في البعض من التحليلات الغربية، خاصة أن المدينة تحظى بموقع استراتيجي مهم، لكونها تطل على البحر وتحيط بها مناطق المروج ودمسرخو ورأس شمرا ذات الأكثرية العلوية، إضافة إلى تواجد رادار وصواريخ للنظام مقابل المدينة.

* تفادي المخاطر العسكرية على المناطق السكنية: وهو ما ينطبق على الحالة العراقية بعد قرار رئيس الوزراء حيدر العبادي في 4 سبتمبر 2016، الرامي إلى إفراغ العاصمة ومراكز المدن من مستودعات الأسلحة داخل المناطق السكنية، والتي تحتاج إلى ظروف تخزين خاصة لا يمكن توافرها داخل المدن. وقد جاء ذلك القرار بعد انفجار مستودع للأسلحة والذخائر في منطقة سكنية شرق بغداد، وقتل على إثره 6 أشخاص وأصيب 11 آخرون، حيث يعود المستودع لإحدى ميليشيات “الحشد الشعبي”، وفقا لأحد التقديرات.

جبهات جديدة

تشير تفاعلات إقليم الشرق الأوسط، وخاصة في بؤره المسلحة وصراعاته المندمجة ودوله المنهارة وحدوده المخترقة وحروب الوكالة التي تتواصل فيه، إلى تصاعد سياسة إفراغ المدن، سواء داخل الدولة الواحدة أو على طول خطوط الحدود المشتركة، عبر استخدام المساعدات الإنسانية كسلاح لمعاقبة المقاتلين وحصار المدنيين، وإنشاء نقاط تفتيش عسكرية، أو زرع ألغام أرضية مضادة للأفراد.

ولكن ذلك لا يقود إلى حل الصراعات المسلحة الإقليمية أو انتفاء تهديدات التنظيمات الإرهابية، بقدر ما يخلق جبهات جديدة تؤدي دورا في زيادة مضاعفات عدم الاستقرار الإقليمي.

7