مدن مغربية صغيرة تعيش معزولة عن العالم

قد يجوز لنا تشبيه الفن التشكيلي بالشعر، إذ يمكنه أن يحول الحياة اليومية في أدق تفاصيلها وأكثرها هامشية إلى مشاهد أبدية، متحركة، وآخذة روح المكان والناس والحياة في حضن فني، قوامه الكلمات في الشعر وقوامه الأشكال والألوان في اللوحات التشكيلية، ولكن يبقى السؤال المطروح على كل مبدع هو كيف يمسك بلحظة ليجعلها دهرا خالدا؟
الأربعاء 2017/06/14
لوحات تخلد المدن المغربية

تتميز اللوحة التي يرسمها التشكيلي المغربي محمد شرقاوي بسماكة ألوانها وتظهر قدرة الفنان على إعطاء موضوعه الإقناع الواقعي للرائي بأنَّ ما يراه هو الواقع بالرغم من مزجه بين أساليب الرسم الواقعي وأساليب الرسم التجريدي.

محمد شرقاوي، الشاب الذي ولد في مدينة سلا شمال مدينة الرباط قدم الكثير من اللوحات في معارض فردية وجماعية. وجميعها عالجت ثيمة واحدة هي “المدينة المغربية القديمة” بأسوارها، وأسواقها المكتظة، وجدران بيوتها الصلصالية.

وفي بعض الأحيان يميل إلى رسم ما تشتهر به هذه المدن من أعمال فولكلورية، كعمل الزرابي، وسُرُوج الخيول، وأوشحة الرأس النسائية الملونة. المدينة القديمة لديه ليست فضاء من طابوق صلصالي، وأقواس توشح الأبنية فقط بل هي أيضاً حياة وفرح بشيئيات تراثية ملونة تغني مشاهد لوحاته.

روحانيات المدن

اللوحة لدى هذا الفنان هي محاولة لاستعادة الماضي بكل غناه الفولكلوري واللوني، فألوانه تشع بالحيوية، والقدرة على استعادة الفرح المصاحب للحياة البسيطة التي كان يعيشها الناس في مدنهم القديمة. مدنه معزولة عن العالم بأسوار، وناسها يعيشون حياتهم المحدودة بين العمل وارتياد الأسواق والجوامع والمزارات الصوفية.

ضربات فرشاة الفنان تراها واضحة في كل لوحة، فكل ضربة من فرشاته هي محاولة، مستميتة لتسميك الألوان بإضافة طبقات متتالية عليها. كأنَّ ضرباته المتكررة تعيد تجسير الماضي بالحاضر، وترمم ذاكرة المرئيات بأنَّ حياة عريضة مشبعة بالفرح والرغبات عاشها الناس هنا، ولا تزال أصداء وجودهم المادي حاضرة، بما تركوا من فولكلور حي.

لوحات شرقاوي التي عرضت بقاعة النادرة تحت عنوان “روحانيات” سواء بمعرضه قبل الأخير في العام الماضي أو معرضه الجديد الذي انتظم مؤخرا بمدينة سلا، تناولت حياة المدن المغربية القديمة الروحية. لكن في لوحاته الأخيرة في معرضه الأخير نكتشف ميله العميق إلى مشاركة الأجداد حياتهم السابقة من خلال عرض وجودهم المكثف في أغلب لوحاته.

فهم يظهرون في لوحاته كأرواح هائمة في سماء اللوحات أو كوجوه يجللها الضباب الكثيف. ويحرص على رسم تقاليدهم الفولكلورية ويعرض ما تركوه من حرف، وما أبدعوه من مشغولات، كالزرابي والحقائب والمنسوجات الصوفية المختلفة والحلي ونقوش الحناء على أكُفّ موديلاته.

الرسام الفطري

رسم شرقاوي إلى حد الآن أكثر من مئة لوحة عرض منها أكثر من 60 لوحة في معرضه “روحانيات” وعرض اللوحات المتبقية في محترفه بسلا. بعض أساليبه في الرسم استخدم فيها الواقعية الفوتوغرافية، وأضاف إليها أساليب الرسم التجريدي. ومزج بعضها بالانطباعيّة، التي رسمها بطرائق الرسامين المغاربة الفطريين. وهي طريقة اعتاد الرسم بها فنانون فطريون مغاربة مشهورون كالشعيبية طلال، وقبلها محمد بن علال ومولاي أحمد الادريسي وغيرهم، مع بعض التطوير في طريقة رسم الأشكال والوجوه والأداء، واختيار الموضوعات الواقعية.

إذْ من عادة الرسام الفطري المغربي رسم الأساطير والمخلوقات العجائبية التي يزخر بها الفولكلور المغربي، وما ورد في الميثولوجيا الشعبية من عادات وتقاليد، وما جاء في حكايات القص الشفاهي من أبطال وقوى خارقة عن عالم الجن والسحر وكرامات الأولياء، وما ترويه قصص الجدات من المخيال الشعبي عن الخير والشر.

وتتميز اللوحة التي يرسمها شرقاوي بكونها بقياسات كبيرة ويصل قسم منها إلى قياس (2.5م × 1.7م) وهو قياس كبير. والقياسات الكبيرة تتطلب من الرسام مهارات خاصة، ليتمكن من السيطرة على موضوع لوحته وملء ذلك الحيز بموضوع تكون مادته الألوان والجنفاص، الذي يستخدمه في تأطير بعض لوحاته، ولكي يظهر ما يقع عليه بصره بحيادية وذلك من خلال رسم دقائق شؤون الحياة القروية.

المدن الصغيرة البعيدة عن المراكز السكانية الكبيرة التي رسمها شرقاوي، هي في حقيقتها قرى كبيرة، بما يمكن ملاحظته من نوعية مبانيها، التي تكون عادة أقل ضخامة، وأقل تعقيداً في مساقط واجهاتها، وتمتاز ببساطة حياة سكانها. وتغلب عليها التقاليد القبلية ويتسم سلوكهم بالطيبة والكرم، والفرح بالأزياء والأفرشة الملونة.

رسام فطري يرسم قصص المغرب العابر للزمن

عبرت فرشاة الفنان عن ذلك الفرح العميق بالحياة فرسمت لنا السوق الشعبية، والجامع والمزار الديني، بذلك النفس الأخاذ. وقد برع شرقاوي في رسم هذه الأمكنة، ولم يتوقف عند رسم المكان وناسه بل أعطى للمكان أهمّيّة أكثر من اهتمامه بالناس الذين تراهم في أغلب لوحاته بلا تفاصيل محددة لوجوههم. وتراهم يهيمون كالضوء المنبعث من نهايات لوحاته التي يشوبها الغموض وكأنما جاء أولئك الناس من الضوء أو في سبيلهم لبلوغ مبعث ذلك الضوء المبهر للتلاشي فيه.

مراكش عبر الزمن

اللون البني له هيمنة حقيقية على معظم لوحات الفنان شرقاوي، إنَّه لون يراوح بين القهوائي والوردي، والأحمر الفاتح، حتى يصل في بعض اللوحات إلى أن يجعله الفنان لوناً خاصاً بلوحاته فقط، خصوصاً حين ينتقل في رسمه إلى مرحلة إدخال الهيئات البشرية إلى فضاء لوحاته فتبدو كخلفيات لموضوع بنيته الأساس. وهي تناقش أفكاراً صوفية كوحدة الوجود بين الروحي والمادي، والحياة والموت كوحدتين متضادتين لا معنى لواحدة منهما من دون وجود ضدها.

رسم شرقاوي في إحدى لوحاته الجامع، وجعله يعوم بالزرقة المشوبة بالبياض، والحمرة. وبدا كما لوكان الجامع سفينة ضخمة ينادي ملاحوها الناس بالالتجاء إليها. واللوحة تذكرنا بالقصة القرآنية عن طوفان الأرض، ونجاة الجنس البشري بالفلك الذي صنعه سيدنا نوح.

وفي لوحة أخرى اختار الفنان لشكل الجامع، وهيئته ما يوحي بطائر ضخم يستقر فوق أسوار من الصلصال، ويطل على سوق شعبية مملوءة بالمتبضعين. وفي لوحة أخرى بدت مدينة مراكش بأسوارها الصلصالية، وقد ظهرت خلفية اللوحة مجللة بزرقة فيروزية مدهشة. وبدا الناس كأشباح بعيدة بأزيائهم الريفية، وهم يتحدثون أو يمضون لشؤونهم. ولا خضرة في اللوحة لكسر جفاف المنظر سوى زرقة مشوبة بالسواد تحيط بالمدينة، ورمال الصحراء تمتد بغزارة في واجهة اللوحة.

وجعل الفنان هنا وهناك، مدناً صغيرة تبدو كالنقاط تعيش معزولة عن العالم. لوحات محمد شرقاوي نقلت رائيها إلى القرون الوسطى. وكل لوحة تنقلك إلى زمن مراكش المرابطين والموحدين، الذين أقاموا أقوى الدول في المغرب العربي خلال القرن الحادي عشر الميلادي، ليمتد نفوذهم إلى الأندلس، وإلى أجزاء واسعة من شمال أفريقيا.

15