مدن ومواقع أثرية في المتوسط مهددة بالغرق

دراسة تعلن ارتفاع منسوب مياه البحر ليغمر البندقية وصور في مؤشر يظهر درجة التهديد اللاحق بهذه الكنوز الثقافية تبعا لمدى تعرضها لمخاطر التغيّر المناخي.
الخميس 2018/10/18
الماء يأتي على اليابسة

يحذر العلماء من التغيّر المناخي في البحر المتوسط، حيث إن ارتفاع حرارة الأرض بأكثر من درجة ونصف الدرجة سيؤدي إلى اضطراب لم يسبق له مثيل في الأنظمة البيئية في حوض البحر المتوسط منذ ظهور أولى الحضارات البشرية.

باريس – تواجه مواقع متوسطية مدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي تهديدا بسبب ارتفاع مستوى مياه البحر، من بينها خصوصا صور في لبنان والبندقية في إيطاليا، وهذا ما تؤكده دراسة نشرت نتائجها الثلاثاء مجلة “نيتشر كومنيكشنز”.

وتضمنت هذه الدراسة التي أجرتها جامعتا كيل الألمانية وساوثمبتون البريطانية، مؤشرا يظهر درجة التهديد اللاحق بهذه الكنوز الثقافية تبعا لمدى تعرضها لمخاطر التغيّر المناخي بحلول نهاية القرن.

وعلى الرغم من أن الدراسة لم تذكر مدينة الإسكندرية المصرية، لكن باحثين يعتبرونها من أهم المدن التي ستتضرّر بسبب تغيّر المناخ، حيث يهدد الخط الساحلي المدينة التاريخية ببطء، مع ارتفاع مستويات سطح البحر بسبب الاحتباس الحراري.

وقالت المشرفة على فريق البحث، لينا ريمان من جامعة كيل في ألمانيا، إنه لا يمكن استعادة هذه المواقع في حالة تعرضها للتدمير أو الفقدان. وأنشأ فريق الباحثين قاعدة بيانات لجميع مواقع اليونسكو المعرضة للخطر، مستخدما نماذج رياضية للتنبؤ بكيفية تأثير ارتفاع مستويات البحار عليها.

ويرتبط ارتفاع مستوى سطح البحر بعوامل أساسية تظهر كلها في التغيّر المناخي المستمر في شتى أرجاء الكرة الأرضية، منها تمدد مياه البحار والمحيطات مع ارتفاع درجة حرارتها.

وعندما ترتفع مستويات سطح البحر بسرعة، حتى وإن كانت نسبة الارتفاع طفيفة ستعقبها آثار مدمرة على المناطق الساحلية خاصة.

ووجد الباحثون حوالي 49 موقعا من أصل 159 تواجهها مخاطر جسيمة. ونظرا إلى الأعداد الهائلة من المواقع التاريخية التي تقع على طول السواحل، فإن ثلث هذه المواقع مهددة بالانقراض.

صور مدينة صمدت طيلة قرون
صور مدينة صمدت طيلة قرون

وتوصلوا إلى أن مخاطر الفيضانات ستزداد بنسبة 50 في المئة حتى العام 2100، في جميع أنحاء المنطقة، مع ارتفاع الحد الأقصى لعمق الفيضانات بنسبة 290 في المئة. وتصدرت قائمة المواقع المهددة بالاندثار، مدن إيطالية هي البندقية وخليجها، إضافة إلى فيرارة وأكويليا العائدتين إلى القرون الوسطى. وهذه المواقع قريبة من البحر الأدرياتيكي الذي يشهد وفق بيان لجامعة ساوثمبتون ارتفاعا عاليا في مستوى مياهه.

وتتعرض مدينة البندقية العائمة لخطر الغرق ببطء بسبب ارتفاع مستوى مياه البحر، حيث يتوقع الباحثون أن يغمر ارتفاع مستوى البحر الأدرياتيكي أجزاء كبيرة من المدينة خلال العشرين عاما المقبلة، إذا ما لم تفعل السلطات شيئا لوقف ارتفاع المياه.

وسبق لمنظمة اليونسكو أن حذرت من أن البندقية تغرق بعشرة سنتيمترات في القرن بسبب ارتفاع مستوى مياه البحر “جراء تقدم الدلتا وانضغاط الرواسب”. وفي القرن العشرين، فقدت من 10 إلى 13 سنتيمترا إضافية بسبب المصانع التي كانت تسحب من المياه الجوفية.

ويقول الباحث في معهد “كريبس” لعلم المحيطات في كاليفورنيا، إيهودا بوك، “يبدو أن البندقية تواصل الهبوط، بمعدل حوالي ميليمترين في السنة”، لافتا إلى أنه تأثير بسيط، لكنه مهم.

وأشار إلى أنه إذا استمر ارتفاع مستوى المياه في بحيرة البندقية بالمعدل نفسه، فإن المدينة ستهبط بمعدل 0.08 متر إلى المحيط بحلول العام 2023.

وقال الخبراء إن البندقية والكثير من المدن الإيطالية المتواجدة على ساحل البحر الأدرياتيكي عرضة لخطر الزوال معا في حال استمرت مستويات البحر في الارتفاع.

مدينة تونس العتيقة ومجمع كسانتوس- ليتون في تركيا يفلتان من خطر الفيضانات والتآكل

ووفقا لباحثين من إيطاليا وفرنسا، فإن البحر المتوسط سيرتفع بنسبة تصل إلى 5 أقدام ما يعادل 140 سنتيمترا قبل عام 2100. وأكد باحثون من “المعهد الوطني للجيوفيزياء وعلوم البراكين” في إيطاليا، أن ظاهرة الاحتباس الحراري تفسر تسارع ارتفاع مستوى سطح البحر.

ودرس العلماء “محاجر حجر الرحى” الدائرية على طول ساحل البحر المتوسط خلال الألف عام الماضية، لفهم كيفية تغير مستويات سطح البحر، وبعد ذلك استخدموا نماذج للتنبؤ بكيفية ارتفاع مستويات البحر بسرعة في المستقبل. الجدير بالذكر، أن “محاجر حجر الرحى” هي الأحجار الدائرية التي تم استخراجها لطحن الحبوب في العصر الحجري بين 4 آلاف و2500 قبل الميلاد.

ووجد الباحثون أن 33 منطقة في إيطاليا عرضة لخطر الاندثار تحت سطح البحر خلال الـ100 عام المقبلة.

وتشمل المناطق المعرضة للخطر كلا من فيوميتشينو في لاتسيو، وفيرسيليا في توسكانا، والأراضي حول بو، وفوندي وسيلي وأنهار فولتورنو، والمناطق الساحلية القريبة من كاتانيا وكالياري وأوريستانو.

كذلك تواجه مواقع أخرى في المتوسط الخطر ذاته، أبرزها مدينة صور الأثرية في جنوب لبنان والتي يتميز تراثها بمرور حقبات تاريخية متعددة عليها، منذ أيام الفينيقيين إلى فترات الحقبة العربية.

ويحذر باحثون آخرون من مخاطر تغيّر المناخ على مدينة الإسكندرية، الواقعة على البحر المتوسط، حيث يهدد الخط الساحلي المدينة التاريخية ببطء، مع ارتفاع مستويات سطح البحر بسبب الاحتباس الحراري العالمي.

مدينة تونس العتيقة ومجمع كسانتوس- ليتون في تركيا يفلتان من خطر الفيضانات والتآكل
البندقية العائمة تندثر

وتعتبر الإسكندرية من المدن المصرية التي تقع على ساحل البحر المتوسط باتجاه الشمال، وقد تأسّست الإسكندرية في عام 332 ق.م، على يد الإسكندر الأكبر، وذلك من خلال ردم أجزاء الساحل في المنطقة التي تفصل بين قرية راقودة أو راكوس، وما بين جزيرة فاروس الممتدة على الساحل الرئيسي.

ومن بين الدول التي تواجه المخاطر المترتبة على تغيّر المناخ، اليونان، وتحديدا معبد “هيكل آرتميس” ، الذي يعد من أحد عجائب الدنيا السبع، بالإضافة إلى معبد هيرايون باليونان، والمجموعة الأثرية لتاراكو في إسبانيا، وهي أول وأقدم مستوطنة رومانية في شبه الجزيرة الإيبيرية.

ويواجه مجمع تاراغونا الأثري في إسبانيا ومدينة إفسس التركية أيضا، مخاطر متصلة بظاهرة تآكل الساحل. وبحسب هذه الدراسة، يواجه 37 موقعا خطر الفيضانات و42 أخرى تهديدات بسبب تآكل الساحل.

وبحلول العام المقبل، وحدهما مدينة تونس العتيقة ومجمع كسانتوس- ليتون في تركيا سيفلتان من خطر الفيضانات والتآكل.

وأشارت الباحثة سالي براون من جامعة ساوثمبتون إلى أن هذه المواقع المدرجة على قائمة اليونسكو تواجه “تحديات كثيرة للتكيف مع آثار ارتفاع مستوى مياه البحر”، فيما تشير إلى عدم إمكان نقل أي من هذه المواقع مع بعض الاستثناءات النادرة.

ويقول الخبراء إنه من أجل الحفاظ على مواقع التراث العالمي فمن المهم تحقيق هدف الحفاظ على ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية عند أقل من درجتين مئويتين، ورسم استراتيجيات محلية تعنى بإدارة المنطقة الساحلية المتكاملة وتسريع عمليات التكيف حيال ارتفاع مستوى البحر وتغيرات المناخ بشكل عام.

20