مدونات إنسانية يومية على صفحة الدمار في العراق

مشروع الشباب الاستثماري يهدف إلى مساعدة الشباب في الاعتماد على إمكاناتهم وتعليمهم وخبراتهم الشخصية وكيفية استثمارها في تحقيق أحلام بسيطة على أرض الواقع.
الأربعاء 2019/04/17
انطلاقة من الإرث الثقافي

باص الخشب؛ وسيلة المواصلات البدائية التي نشطت في الاستخدام اليومي قبل عقود في مدينة البصرة، جنوب العراق، تحوّلت إلى تراث مهمل حتى لم يكن في الإمكان الحفاظ على هيكلية أبعاده، وكان مركونا في ذاكرة زمن البصريين طوال السنوات الماضية شأنه شأن أشكال الحياة الأخرى التي فقدت رونقها، في مدينة تعوم على محيطات من البترول، ويغرق أهلها الكرام في دوّامات من الفساد الذي ولّد الفقر وغيب الخدمات اليومية الضرورية لعيش حياة كريمة.

استوقفتني صورة حديثة لباص الخشب في أحد مواقع التواصل الاجتماعي ومعها إعلان، يشير إلى عودة الباص (الأيقونة) بالتزامن مع مشروع تبنته مجموعة من شباب مدينة البصرة لتوفير فرص عمل للعاطلين عن العمل، مشروع خاص ومميّز كان أشبه بمكيدة حاول بها الشباب بجهود شخصية التحايل على صمت المسؤولين وأصحاب القرار، وهم يراقبون تزايد نسب البطالة من خريجي الجامعات والمعاهد والحرفيين في صفوف أبناء المدينة وبناتها، الذين نفد صبرهم واتسعت رقعة غضبهم.

حاورت “العرب” أصحاب فكرة (مشروع الشباب الاستثماري)، الذين وقفوا مثل شوكة في جوف المعوقات، اجتهدوا وخرجوا بحلم بسيط قد يفسح الطريق لقافلة من أحلام برعاية باص الخشب البصري، المخلوق التراثي الجميل الذي قام من سباته الطويل شامخا، وخرج من حطامه إلى الحياة بجسد جديد.

بدأت بوادر مشروع الشباب الاستثماري، بفكرة ذاتية، تبعتها دراسات دقيقة ومسبقة أشرف عليها متخصّصون في جامعة البصرة، حيث تم وضع خطط لجميع المعوقات والمخاطر التي يمكن أن تواجه عملية التنفيذ.

يؤكد علي حسين؛ مدير وصاحب فكرة المشروع، على أن الهدف الأساسي هو مساعدة الشباب في الاعتماد على إمكاناتهم وتعليمهم وخبراتهم الشخصية وكيفية استثمارها في تحقيق أحلام بسيطة على أرض الواقع، بدلا من الاعتماد على فرص ضئيلة جدا قد لا تتمكّن مؤسسات الحكومة من تنفيذها، إضافة إلى محاولة تنشيط القطاع الخاص وتشجيع الشباب للاستثمار فيه حتى لو كان هذا بأبسط الموارد المتاحة.

وبحسب حسين، فإنه لم يكن للجهات الحكومية والرسمية أي دعم أو تشجيع لمثل هذا النوع من المشاريع داخل العراق، خاصة في مدينة البصرة التي تعاني إهمالا على مستوى الخدمات أو حتى توفير مصادر رزق للآلاف من شبابها الذين ما زالوا ينتظرون دورهم في تحصيل أي وظيفة حكومية، من دون جدوى. ويعدّ مشروع الشباب الاستثماري هو الوحيد من نوعه الداعم لتطوير أفكار الشباب، كما أن جميع العاملين فيه هم من فئة الشباب حصرا. وهم بالطبع لا ينتمون إلى أي جهة رسمية أو حكومية.

لمسة ثقافية طالما تميزت بها مدينة البصرة
لمسة ثقافية طالما تميزت بها مدينة البصرة

المشروع عبارة عن بناية مكونة من أربعة طوابق يشغل الطابق الأول منه مطعم، ثم يليه مقهى ومحل حلويات في الطابق الثاني. الطابق الثالث يضم مقهى عائليا بتصميم متميز يجمع بين الحداثة والتراث، يضم جميع وسائل الترفيه ومكان استراحة للأطفال وعائلاتهم.

ولم يغفل المشرفون على تنفيذ المشروع تخصيص الطابق الأخير لإضافة لمسة ثقافية طالما تميزت بها مدينة البصرة؛ مقهى ثقافي من شأنه أن يستقطب محبي التراث والقراءة، وستكون هناك فرصة أيضا لاستغلال المكان لعقد أمسيات شعرية ولقاءات تجمع بين الجمهور وبين نخب المجتمع ومثقفيه؛ فنانين، أدباء وشخصيات عامة وفاعلة في المجتمع.كما يعدّ المشروع الأول من نوعه من ناحية التصميم والديكورات؛ ففي كل زاوية وجدار من مرافق المشروع هناك رسم لحكاية بصرية، لمسة من تراث الأجداد وتاريخ ثقافي بهي وحافل.

وأهم ما في هذه الأفكار على الإطلاق، باص الخشب؛ أيقونة التراث البصري التي توارت خلف الظل لسنوات طويلة من الإهمال. باص الخشب هذا، كما يؤكد علي حسين، من أهم الأفكار التي واكبت تطور مشروع الشباب الاستثماري منذ وضع لبناته الأولى، وسيكون واجهة لمبنى المشروع لتعريف الناس الذين يرتادون الشارع على معلم مهم من تراث المدينة، حيث وسيلة النقل التي امتلكت أهمية استثنائية في الماضي لنقل الركاب، تصميمه المميز، ببساطته وغرابة مكوّناته.

يذكر بأن عدد المساهمين في مشروع الشباب الاستثماري هو 320 شابا بواقع (6820) سهما تقريبا. أما عدد العاملين في المشروع إضافة إلى المساهمين في بنائه فيصل إلى 150 شخصا بصورة تقديرية.

 في حين سيصل عدد العاملين الثابتين في مشروع الشباب الاستثماري بعد افتتاحه حوالي 40 شخصا يعمل داخل المشروع، سيتم تصنيفهم حسب اختصاصاتهم ومهاراتهم إلى (طباخ – مساعد طباخ – كونترول – محاسب – إداري – نادل – كابتن صالة – كاشير – أمين مخزن…).

مشروع الشباب الاستثماري، الوحيد من نوعه الداعم لتطوير أفكار الشباب، وجميع العاملين فيه من الشباب حصرا

 وهذا العدد موزع بالتساوي بين الشباب من الرجال والسيدات على حد سواء. يعمل المشرفون على المشروع بأقصى جهودهم لتلافي أي احتمال لخسارة قد لا تكون في الحسبان باعتبارها تجربة جديدة وغير مطروقة، ولتلافي المعوقات التي يمكن أن تطرأ أثناء التقدّم في العمل ستكون هناك خطط بديلة لحل المشاكل المتوقع حدوثها، بالاستعانة بعدد من المتخصّصين الذين أسهموا بوضع دراسة أولية للمشروع.

ومن المؤمل أن يتم تطوير هذه الفكرة وتوسيع رقعة العمل فيها على مناطق ومدن أخرى في العراق، وهناك مشاريع بدأ العمل فيها فعلاً وسينفذ أولها في مدينة الديوانية وهو عبارة عن مطعم للمأكولات الشرقية والغربية. كما يأمل أصحاب المشروع بتحقيق أفكار مستقبلية أكثر جدوى وخارج نطاق المشاريع الاستهلاكية، في محاولة جادّة للنهوض بالاقتصاد ومساعدة الشباب في التوجّه نحو القطاع الخاص، لتحفيزهم على تطوير أفكارهم ومهاراتهم.

21