مدونات الجدران

السبت 2018/02/03

لم تعد مدونات الجدران في الشوارع أو المناطق العامة والمزدحمة بالجماهير، مدونات شخصية إشهارية فقط، بل تحولت إلى قوة عصرية جبارة وليست مضمرة، تبرز هذه الموضة العصرية كلما استدعت الضرورة للتعبير عن حالة مجتمعية أو سياسية تحتاج إلى سرعة إيصال الأفكار.

في أحد الأيام استوقفتني بلاغة واحدة من المدونات في مظاهرة صاخبة في بغداد أيام اشتداد التظاهرات المليونية، كما كان يصفها الإعلام. كانت اللافتة لمجموعة من المعاقين بالصم والبكم، وقد رفعوا لافتة كان نصّها “نحن صم وبكم من الله، لماذا أنتم مثلنا؟”.

بلاغة وبراعة في الإشهار بأقل اقتصاديات اللغة الموحية، وقد يقع كالصاعقة على جمهور الرصيف المتفرّج، فبعضهم نزل بقوة إلى الشارع والبعض الآخر توارى في الغياب.

المدونة الجدارية تستقطب جمهورها، وهي على الأغلب تأخذ من السخرية والتهكّم منهجا في قوة التعبير البلاغي الذي يؤدي غرضه كحالة تعبير جماهيرية، وعلى هذا المنوال يمكن القول إنها صحافة جماهيرية من غير ضوابط وتحرير أو تبويب، بعد أن كانت سرية تدوّن على أبواب المراحيض العامة أو جدران غرف الفنادق الشعبية، وتحوّلها في عصر التظاهر العلني وأخذ جرعة من الجرأة ضد الحكومات، حتى غدت ظاهرة ملفتة تعبّر عن مكنونات الجماهير.

من يقف خلفها؟ من يأخذ زمام المبادرة للتنفيذ لها؟ من هو صاحب الأسلوب الجذّاب في صياغة المفردات الهادفة سريعة التوصيل باقتصاد مكثّف في أقل الكلمات وفي أمكنة بارزة وقريبة من عين السلطة؟

من المؤكّد ثمة مجموعة تعمل في الظل في استباحة صمت الشوارع والمنعطفات وناصيات الأرصفة والأعمدة الكونكريتية، هذه المجاميع ومع حركة العصر السريعة والخاطفة استبدلت الصحافة السرية والمنشورات الورقية السرية بناصية الإشهار اللافت والمعبّر عن مكنونات الشعوب.

وبالرغم أن بعض الشعارات تنفّذ بطريقة سطحية من دون النظر إلى جماليات الخط، وعموما فهي تنفذّ بطريقة سريعة غايتها الأداء الموحي السريع بعيدا عن جماليات المدرسة الرمزية ووصولا إلى التعبيرية البسيطة.

ثمة شعارات كلاسيكية لمنع الناس من التبوّل في المنعطفات أو في الأزقة قرب المحال أو البيوت، حتى أصبحت الكلمات الخادشة للحياء، تتغيّر نحو رسومات موحية تستطيع منع الناس من فعل ما هو ليس حضاريا، حتى غدت الشعارات والمدونات الجدارية أكثر تهذيبا ولها القدرة البلاغية في التعبير.

الحياة العصرية جلبت معها المزيد من القدرات الفنية والفكرية في استغلال الشعار اليومي والمدونة الجدارية للتعبير وإيصال الفكرة السريعة الخاطفة.

ثمة كتب كثيرة ظهرت في العالم العربي تناولت مدونات الجدران بوصفها ظاهرة عصرية فكاهية ساخرة ولكنها ساخطة، بالرغم من قوة التعبير فيها، لكن هذه الكتب أغفلت التفكيك الفلسفي والتاريخي لهذه المدونات، عندما تحوّلت من مدونات شخصية، حيث المراهق يذكر اسم معشوقته بجملة مقتضبة، إلى صورة رمزية تضرب وجه السلطة الغاشمة بطريقة موحية ترعبها بطريقة التعبير عن الغضب الجماهيري، وتوصل الرسائل عمّا يدور في نفوس الجماهير.

أحيانا كنت أرصد تلك المدونات الجدارية الصاخبة والإشهارية باللون الأسود أو الأحمر على سياجات منظورة من أكثر شرائح المجتمعات، حتى تحوّلت إلى مادة فكاهية ساخطة على ألسن الجمهور في أحاديثهم اليومية، ففي بداية ظهور هذه المدونة كظاهرة حاولت السلطات قمعها، وغالبا ما يقوم عمّال البلدية بمسحها بلون مغاير للون الشعار المستفزّ وطمس معالمه المعبرة، وفي اليوم الآخر تتجدّد الشعارات حتى تخلّت السلطة من مسح الشعارات المناهضة، والتي عملت على تحفيز الجمهور ضدها.

الجدار والمدونة يتحوّل إلى سلطة وفق ما يجري يوميا في الشوارع العامة، وربما ستكون المناطيد العملاقة في يوم ما محطة جديدة ومرحلة أخرى وفق تطوّر المدونات الجدارية، فالمنطاد يحلّق في السماوات القريبة حاملا لشعارات وأحلام الجماهير المستلبة.

في عوالم الغرب الحضاري، ثمة تحوّلات سريعة في مدوناته اليومية، بطريقة مبتكرة في استغلال المترو والقطار ومحطاتهما للتعبير عن إشهار ما، يحاول المدون الجداري من خلالها إيصال الفكرة البلاغية المناسبة إلى أكثر من شريحة وبأقل جهد واقتصاد، بما في ذلك استغلال رسائل الهواتف الجوالة أو وسائل الاتصالات الإلكترونية للتعبير في مدونات جدارية افتراضية هذه المرة.

من يطلب المساعدة السريعة يترك رقم هاتفه، وهو يطلب التبرّع بالدم لزوجته مثلا، سوى في العالم الافتراضي أو الجدران القريبة من المستشفيات.

كاتب عراقي

13