مدينة اسمها بيروت وفنانة ترسم الغياب

حساسية حاضرة تجاه الخاصية الزمنية للألوان من خلال قدرة الفنانة ديالا خضري، التقنية والفنية على "تعتيقها" وتوظيفها في معظم لوحات معرضها "هندسات بيروتية".
الجمعة 2018/11/23
حساسية تجاه مصادر الضوء

“هندسات بيروتية”، هو عنوان المعرض الذي قدمته الفنانة اللبنانية ديالا خضري في صالة “آرت أون 56 ستريت” البيروتية، مجموعة لوحات تهجس بتراث بيروت المديني ومشغولة بالأكريليك على القماش أو على الخشب المضغوط بأشكال غير تقليدية لا سيما الدائرية التي تحاكي نوافذ شائكة بمعانيها، معظم الأعمال كبيرة الحجم وتزخر بالزخرفات والتواليف الهندسية المُستقاة خاصة من عالم الفن الإسلامي العريق بزخمه وتجريدية أشكاله ومقاييسه وهيئاته الرمزية المتكررة.

بيروت- في معرضها الفردي الثاني تبرز الفنانة اللبنانية ديالا خضري حساسيتها تجاه مصادر الضوء الذي تسلل إلى زوايا هياكل المنازل وانسدل على بضعة أشياء مهملة تُركت لتعيش حياتها الخاصة جدا بعيدا عن أصحابها.

حساسية حاضرة جدا تجاه الخاصية الزمنية للألوان من خلال قدرة الفنانة التقنية والفنية على “تعتيقها” وتوظيفها في معظم لوحاتها المعروضة حاليا في صالة “آرت أون 56 ستريت” البيروتية، والمعنونة بـ”هندسات بيروتية، كما تظهر الموهبة في تصميم وتركيب فضاء اللوحات وعناصرها قليلة كانت أم كثيرة من خلال عدة وجهات نظر استخدمتها ديالا خضري لتصل إلى زوايا وأجواء مختلفة لنفس المشاهد التي صورتها.

ونقول صورتها، لأن أعمال الفنانة مبنية على واقعية “كاسحة” لا لبس فيها، لوحتها شعرية طفيفة مسّتها الأغبرة دون أن تفقدها قدرتها على لمس المُشاهد، وخاصة الذي اختبر البعض من بيروت من خلال ذاكرة طفولة أثثها عطر صابون الغار وماء الورد الأثيري والسريع التبدد.

واستطاعت ديالا خضري في لوحاتها من خلال اتخاذ زوايا مُختارة بتأنّ التركيز على تفصيل دون آخر، وأن تذكر زائر معرضها ببراعة مصور فوتوغرافي يعرف كيف يفكك أي مشهد أمامه ليعيد تركيبه من خلال عدسة كاميرته فيقبض ويظهر روح المكان الذي يصوره.

تأطير الظلال وتطويع الخيالات بشكل لا يجعل منها ثقيلة الروح ومُحيلة إلى أفكار ومشاعر مأساوية، هما من أهم ما حضر في لوحات الفنانة، لوحاتها تناولت بيروت/الغياب وحالة الاندثار وكأنها معالم ثابتة من ضمن نواة شخصيتها الفنية والاجتماعية والتاريخية.

غنائية البرود
غنائية البرود

تقول القيّمة على صالة “آرت أون 56 ستريت”، نُهى محرّم، إنها مقتنعة بأفكار الفنانة ديالا خضري وتدعمها في ثورتها على حركة تدمير البيوت التراثية في لبنان، وترى في المعرض دورا مهما في تحفيز هيبة الهوية اللبنانية النائمة تحت أنقاضها وأنقاض الهدم المتواصل التي تتعرض لها المدينة منذ فترة على حساب بناء مبان لا تراعي عراقة لبنان بشكل عام وبيروت بشكل خاص.

منذ متى أصبحت البيوت المهجورة أو شبه المُدمرة تمتلك سحرا تتعادل فيه نبرة الطمأنينة مع نبرة الحزن وتضاهيها في بعض الأحيان؟ ربما  تكون الإجابة في لوحات الفنانة ديالا خضري، لعل هذا أيضا من أهم ما يميز أعمال الفنانة عن العديد من الأعمال الفنية التي تناولت بيروت التراثية.

ولا يضرب الحنين في أرجاء لوحاتها الأكثر عتمة وانكفاءً بين الظلال، ولا تُهجى النهايات، ليس لأن الفنانة لا تعترف بحدوثها أو ببداية حدوثها، وربما أيضا ليس لأنها أرادت أن تقدم نصها البصري من خلال خطاب تفاؤلي يريد أن يتخطى الكوارث التي تتعرض لها المدينة.

ما يمكن محاولة طرحه هنا، هو أن ما يجعل لوحات الفنانة لوحات “غير حزينة”، إذا صح التعبير، هو أنها نجحت في تقطيع، تشكيليا، أوصال البيوت المتكاملة بغض النظر عما إذا كان هذا ما رأته أمامها على أرض الواقع أم لا، ولكن أرادت تشكيله في لوحاتها، فخيار وضع تلك التشظيات أو عدم وضعها مرتبط بمقولة “يحق للشاعر/ الفنان ما لا يحق لغيره”، وليس بأي أمر آخر.

انتشرت في معظم لوحات الفنانة أوصال بيوت تراثية عديدة متناولة معظم عناصرها على أنها “شظايا” ذاكرة استراحت من آلامها، لأنها اعتادت على أن تكون ذاكرة ما بعد الزمن وما خلف المساحة المباشرة وما جاء وسيجيء بعد أن جف الجرح.

تفاجئ الشبابيك المشرذمة والمُعلقة في فضائها الخاص من ضمن اللوحة الواحدة المُشاهد، وتدفعه إلى أن يقرأها كمفردات معزولة اعتادت على تكسراتها وانتصرت عليها فشكلت لذاتها حياة جديدة بمعزل عمّا كانت تتحد معه أو تجاوره، أو تحتضنه في سابق عهدها.

شبابيك مشرذمة لا تريد أن تكون لبيت واحد ولا أن يكون هذا البيت المُفترض واحدا من البيوت المجتمعة التي قد تشكل مدينة واحدة اسمها بيروت، مدينة صدعها تتالي المصائب والانقسامات والنزاعات وفشلت حتى الآن بسبب سكانها في أن تكون مدينة واحدة، لا غرابة في أن تختار تشظيات ديالا خضري أن تعيش “وحدها” بالهيئة التي ارتأتها لها الفنانة ورضيت عنها التشظيات.

من ناحية ثانية ليست كل لوحات الفنانة تعبر عمّا ذكرناه آنفا، فبعض اللوحات تأخذ منحى مختلفا تماما، تبدو الفنانة من خلاله كأنها تقوم بعملية أرشفة علمية لتفاصيل هندسية أو هيئات لأشياء بسيطة قيد التلاشي من أثاث المنازل، وربما يُفاجئ المُشاهد بهذا البعد العاطفي الذي تتخذه الفنانة كمنبر لها وهي تنقل تلك التفاصيل إلى لوحاتها وتضعها معزولة عن بعضها البعض.

هل جاءت تلك التفاصيل والتشظيات إلى ديالا خضري بشكل أحلام غذتها قراءات وأخبار وصور منقولة، أم رأتها جميعها خلال زيارات متكررة؟ أمام لوحاتها نجد أنفسنا نتساءل: أين سكان الأماكن المهجورة؟ السكان هم الزخارف والأشياء ولا أحد غيرهم ليُسأل عنهم.

17