مدينة أصحاب الأخدود تكشف هوية سكانها القدامى وعاداتهم

الاثنين 2015/03/02
آثار مدينة الأخدود تكشف بعضا مما عاشه أهلها قديما

وادي نجران (السعودية)- مازالت بقايا مدينة أصحاب الأخدود في جنوب المملكة العربية السعودية تبوح بأسرار مدينة أحرق ملكها سكانها قبل أكثر من 1500 عام، عقابا على اعتناقهم الدين المسيحي، ولم يعلم أحد شيئا عنهم حتى ورد ذكرهم في القرآن الكريم.

ورغم مرور آلاف السنين، مازالت العظام الهشة السوداء والرماد الكثيف، شاهدة على الحريق الهائل الذي أصاب مدينة الأخدود عام 525 ميلادي، والآن تروي تلك الأطلال والمباني قصة أصحاب الأخدود الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم.

“رقمات” أو مدينة الأخدود الأثرية، والتي تقع على مساحة 5 كيلو مترات مربعة على الحزام الجنوبي من وادي منطقة نجران (جنوب السعودية)، مازال يكتنفها الغموض والأسرار رغم عمليات التنقيب والحفر المتواصلة لمدة عشر سنوات مُتتالية. وتحتاج منطقة الأخدود الأثرية إلى ما يقارب الـ30 سنة لكشف أسرارها، حيث أن ما تم اكتشافه إلى الآن لا يمثل إلا جزءا من آثارها ومعالمها.

ومنذ أن بدأ التنقيب في منطقة الأخدود الأثرية تم اكتشاف العديد من الأثريات والأواني الفخارية، وأدوات الزينة والعملات، وتشير شواهد القبور التي تخص المنطقة الإسلامية، إلى احتواء المدينة الأثرية على منطقة إسلامية، بها جزء من القبور الإسلامية المدوّن عليها اسم صاحبها وتاريخ وفاته، وتم اكتشاف العديد من المدافن في الأجزاء الأخرى من المدينة والتي تعود إلى ما قبل الميلاد.

مازالت بقايا مدينة أصحاب الأخدود تبوح بأسرار مدينة أحرق ملكها سكانها قبل أكثر من 1500 عام

وتقول الشواهد إن الجزء الجنوبي من المدينة، يبدو من خلال الحفريات وعمليات التنقيب، أن المنطقة الشمالية والجنوبية منها سكنت ما بعد الإسلام، واستُخدِم الجزء الجنوبي منها كمقابر إسلامية.

ولم يتم العثور في بقية الأخدود على أي أثر إسلامي، يدل على استخدامه من قبلهم سكنا أو مأوى، وقد امتد السكن من المنطقة الشمالية، حتى أن هناك الآن قرية مُجاورة للأخدود اسمها قرية “الحفل”، كما تم اكتشاف أقدم مسجد بُني في منطقة نجران، ويعود تاريخه إلى سنة 100 هـجري، وهو يقع في الجزء الشمالي من الأخدود.

وأما عن الخنادق التي أُضرمت بها النار، فقد أشار إليها القرآن الكريم في قصة أصحاب الأخدود، والتي سُميت بذلك الاسم، نسبة للحفرة التي أمر الملك الحميري بحفرها، وتجميع الحطب بها وإحراق مَنْ اعتنق “المسيحية”، التي كانت ديانة جديدة في ذلك الوقت، لذلك مازالت آثار الحريق بادية في أجزاء المدينة وعلى جدرانها ومبانيها.

وقد ذُكرت قصة أصحاب الأخدود، في القرآن الكريم في سورة “البروج”، حيث أقدم الملك ذو نواس وهو آخر ملوك الدولة الحميرية، على حفر أخدود كبير جعل منه فرنا، أحرق فيه آلاف المسيحيين، ممن رفضوا التخلي عن ديانتهم المسيحية، والرجوع إلى عقيدتهم اليهودية السابقة.

ويشير صالح آل مريح مدير إدارة الآثار بمنطقة نجران، إلى أن منطقة الأخدود الأثرية تحتاج إلى ما يقارب السنوات لمعرفة جميع أسرارها، وأن ما تم اكتشافه حتى الآن لا يمثل إلا جزءا من آثارها ومعالمها، وقال صالح: منذ أن تم التنقيب في منطقة الأخدود الأثرية، ومنذ عام 1997، اكتشفنا العديد من الآثار الإسلامية، مُشيرا إلى احتواء المدينة الأثرية على منطقة إسلامية، بها آثار عمن سكنها وعاش فيها خلال تلك الفترة، كما تم اكتشاف العديد من المدافن في الأجزاء الأخرى من المدينة، والتي تعود إلى ما قبل الميلاد.

وحول شواهد القبور التي وُجدت في منطقة الأخدود الأثرية، قال آل مريح: إن الشواهد وُجدت في الجزء الجنوبي من المدينة، وكما يبدو من خلال الحفريات وعمليات التنقيب، أن المنطقة الشمالية والجنوبية منها سكنت ما بعد الإسلام، واستُخدم الجزء الجنوبي منها كمقابر إسلامية، مُستدلا بشاهد مكتوب عليه اسم صاحبه راشد بن سالم وتاريخ وفاته 542 هجري.

صالح آل مريح مدير إدارة الآثار بمنطقة نجران: اكتشفت أغرب سر خلال عملي وهو بقاء منطقة الأخدود الأثرية كما هي

واستطرد: نحن إلى الآن نحاول أن نكتشف الحفرة أو الأخدود، الذي تم فيه الحرق عبر عمليات التنقيب، والثابت لدينا أن الحريق كان هائلاً وقويا جدا، حيث إنه أشعل المدينة بكاملها، ومازال رماد الحريق موجودا إلى الآن، بالإضافة إلى عظام للبشر والحيوانات التي حُرقت.
وأبدى آل مريح دهشته من بقاء المدينة والمباني كما هي، منذ حريقها في النصف الأول ميلادي، وقال: لقد اكتشفتُ أغرب سر خلال عملي الذي قارب على العشرين عاما، ويتمثّل في بقاء منطقة الأخدود الأثرية كما هي، فعظام الكائنات التي أُحرقت من بشر وحيوانات، لم نجدها في مدافن وبقيت كما هي، فراعينا ذلك ولم نضعها في مدافن، بعدما أخذنا منها عيّنات لتحليلها لاكتشاف عمرها الزمني.

وعن جنس البشر الذين كانوا يعيشون هناك، يقول صالح آل مريح: هم من جنوب الجزيرة العربية، ولا تختلف ألوانهم وبشرتهم عن القبائل الموجودة حاليا والساكنة في المنطقة، وذلك من خلال نقوش الأرجل والكفوف التي وجدناها، فلم نجد فرقا بين الإنسان القاطن الأخدود في تلك الفترة وبين الإنسان الحالي، وهذا ينفي الزعم بأنهم كانوا عمالقة أو ضخام البنية، لكنهم كانوا أشداء أقوياء، كما وجدنا أيضا بعض الحلي، واعتمادهم على الفضة والبرنز والذهب في الزينة.

وحول ما تحتويه منطقة الأخدود، يضيف: إنها عبارة عن مبانٍ مُتهدمة باق منها الأساسات والجدران، وبعض القطع الحجرية الضخمة كالرحي ومنطقة السوق التجاري، أيضا هناك بعض الكتابات والنقوش على الصخر بالخط المسند، الذي كان يستخدمه عرب الجنوب، وينتشر في المدينة الفخار الذي كان الأداة المستخدمة في ذلك الوقت.

12