مدينة الأشباح المصرية تجتذب سياح المغامرة

"أم الحويطات" من قلعة تعدينية إلى قرية سياحية تروي الحكايات الغريبة.
الأحد 2020/12/13
إطلالة على التاريخ الغامض

مثلما توجد العديد من الأماكن المسكونة والشهيرة حول العالم، فثمة أماكن أخرى لم تنل الشهرة نفسها رغم ما تتمتع به من أجواء مميزة وتاريخ طويل من حكايات الرعب. ومن ذلك مدينة الأشباح في مصر القريبة من البحر الأحمر، والتي تمثل اختيارا لعشاق المغامرات وتعقب قصص الخرافات والسير في الممرات المخيفة.

سفاجا (مصر) – إذا نجحت مدينة الأشباح في مصر في أن تجتذب أعدادا كبيرة من السياح الأوروبيين وتتحدى جائحة كورونا رغم تأثيراتها الكبيرة على السياحة في العالم كله، فإنها مع ذلك تواجه تحديات أخرى تحدّ من حصولها على المكانة التي تستحقها على خارطة السياحة المصرية.

وتقع المدينة على بعد نحو 30 كيلومترا غرب مدينة سفاجا على البحر الأحمر، وبعمق 17 كيلومترا داخل المنطقة الجبلية، وتُعد أطلالا لقلعة تعدينية أنشأها الإنجليز في مصر عام 1902. وتحولت المدينة بمرور الوقت إلى مكان مهجور ومنه إلى مقصد سياحي يروي قصصا وذكريات مخيفة لسكانها الذين مروا بها على أطرافها وجبالها ووديانها.

وتمثل المدينة بيئة خصبة ومنبع إلهام لمؤلفي أفلام وروايات الرعب، وواحدة من الأماكن التي عرفت بغموضها وأحداثها الغريبة، ومن ذلك الحكايات التي ترددت بأن الطرقات والبيوت مسكونة بالجن والجنيات، ويقال إن بعضها “تصدر منه أصوات مخيفة مثل الصراخ والبكاء المتواصلين بداخلها”.

ولأن الكثيرين يبحثون عن الاختلاف في ما يتعلق بالسفر، من ذلك الإثارة والغموض والحكايات غير المألوفة خلال رحلاتهم السياحية، فمدينة الأشباح التي بعثها الخبير السياحي محمود الدندراوي على أنقاض مدينة “أم الحويطات”، ربما تكون قد أنشئت لهذا الغرض.

ويقول الدندراوي لـ”العرب”، ولدت ونشأت في “أم الحويطات”،  وأملك مخزونا من الذكريات والأيام والصور التي لا تنسى حول المدينة، المليئة بالدفء والمشاعر، والممتزجة بالحكايات الغريبة المثيرة حول الأشباح والأحداث التي تجتذب عشاق المغامرة والرعب.

مدينة يرتادها السياح جماعة
مدينة يرتادها السياح جماعة

ويضيف أنه “في الوقت الذي شعرت فيه كشاهد عيان بالحزن والأسى على اللحظات التي هجرها سكانها في التسعينات من القرن الماضي، كنت أفكر كيف يمكن تخليد ذكراها وتحويلها إلى مزار سياحي عالمي”.

وتابع “من هنا اختمرت الفكرة وأطلقت عليها اسم ‘مدينة الأشباح’ عام 2004، وحصلت على موافقات رسمية من محافظة البحر الأحمر لاستغلالها في أغراض سياحية”.

“سياحة الظلام”، “السياحة السوداء” و”سياحة الرعب”.. كلها مسميات مختلفة لهذا النوع من السياحة الذي اختاره محمود الدندراوي لمدينته الأثيرة، وقد لا تكون واسعة الانتشار في المنطقة، ويراها البعض في أنحاء مختلفة بعيدة تماما عن المعنى الكلاسيكي للسياحة، إلا أن الآلاف من السياح حول العالم شديدو الشغف بها.

ولم يكن غريبا أن ينجح الرجل في تحويل الأطلال إلى وجهة سياحية ذات طابع خاص جاذب للأجانب الذين تروق لهم فكرة الرعب والتخييم ومراقبة النجوم ليلا على أطرافها.

و”أم الحويطات” في الأصل مدينة صغيرة، سُميت بهذا الاسم لإحاطة الجبال الضخمة بها، حيث توجد بين دوران مجموعة من الجبال منها “السباعية” و”البيضاني” الذي اكتسب هذا الاسم للونه الأبيض الجيري، ونجحت هذه المنطقة النائية في اجتذاب الإنجليزي آندي في بداية القرن العشرين ليجرى أبحاثا علمية بها.

وتوصل آندي إلى وجود خام الفوسفات وخامات أخرى بكميات ضخمة بها، فكان قرار إنشاء الإنجليز لشركة الفوسفات التي حولت المدينة إلى قلعة تعدينية.

وقام الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر بتأميمها عام 1956، واستمرت المدينة في تصدير الفوسفات، حتى كان قرار رئيس الوزراء الأسبق عاطف عبيد بغلقها في التسعينات من دون إيجاد بديل أو سبيل عيش للأهالي، ما دفعهم إلى هجرها وتحولها إلى أطلال.

ورفض الدنداروي أن يترك مدينته ليطويها النسيان، فعمل على إعادة إحيائها واستعادة روعة وتفرد ذكريات الطفولة والآباء  بها. ويقول “مع أنها مدينة تعدينية من الطراز الأول، إلا إنها كانت مسكونة بالدفء والإثارة والتشويق، وجانب كبير من ذلك يرتبط بشخصية وذكاء المهندس آندي، الذي يروى عنه الأهالي أنه أقام بنية إنسانية إلى جانب البينة الصناعية الضخمة”.

وعندما يزور السائح القرية يبهره تصميمها المنسق الذي يتوزع بين الجهة الشرقية، وهي أطلال منطقة العمل وإدارة الشركة والورش، والجهة الغربية التي يجد السائح نفسه أنه يتخيل العاملين وأسرهم وهم يعيشون حياة هادئة، في بيوت بسيطة بنيت من الحجر وأسقف من بقايا السكك الحديدية وكراتين الديناميت، وشوارع كانت تكثر فيها أشجار الكافور والنبق.

ويستطيع السائح زيارة المدرسة التي أنشأها الإنجليز، ويتخيل بنات السيّد آندي وهن يشاركن سائر التلميذات والتلاميذ من أبناء المدينة أوقات الدراسة واللعب، حيث حرص على التحاقهن بنفس نوع التعليم، وعلمهن اللغة العربية.

مدينة أثيرة
مدينة أثيرة

ويصعب أن تزور المدينة وتقف أمام مدرستها القديمة مع أحد أبنائها دون أن يحدثك بفخر عن المعُلم سيف العجل مدير المدرسة، الذي كان يصحب المدرسين بعد انتهاء اليوم الدراسي في جولة على منازل التلاميذ الذين يعانون من انخفاض المستوى الدراسي، ليشرحوا للتلاميذ كُلّ في بيته وحسب المادة التي كان ضعيفا فيها، بحضور المدير وتحت إشرافه، وفق رواية الدندراوي.

وفي أثناء استكمال سير السياح يقابلون أطلال قسم شرطة لأداء روتيني فقد كانت المدينة تخلو من الجرائم والنزاعات تقريبا.

وتستمتع الأسر بعد تناول الغذاء بجلسات السمر وتبادل الحكايات أو ممارسة مجموعة من الألعاب التقليدية من التراث، وربما يلتقط زائر المكان قطعا من بقايا  الحجر التي كان يبرع الصغار في رصها، والتنافس على ضربها بالطوب، أو تتخيل عينيه مكان التسع حفر التي كانوا يحددونها أثناء في لعبة “السيجا” أو 24 علامة حين كان يمارسها الكبار وسط ضحكات الجميع.

وتجلس النساء معا بعد الانتهاء من الأعمال المنزلية ليبدعهن فنونهن اليدوية المستقاة من البيئة المحلية، وينسجن مفروشات والحقائب و”الكليم” اليدوي.

وحول الحياة الاجتماعية وشلال الذكريات قال الدندراوي، لـ”العرب”، “كانت الأسر في المدينة كلها تمثل أسرة واحدة، يجمعها الترابط والأمان، لكن ذلك لم يكن يمنع من تداول الكثير من قصص الرعب والإثارة أمام السياح، لأن الأشباح ليست فقط في الأفلام، فالواقع يمتلئ بالعديد من البلدات المهجورة والغامضة، وليس فقط ‘أم الحويطات’، التي تنتظر زوارا يتمتعون بحس المغامرة لاكتشافها”.

ويستثمر الدندراوي الحكايات في نسج اسم المدينة بعد تحويلها إلى مقصد سياحي صغير، لأنه أضفى عليها أجواء من الإثارة بعدما تمت سرقة أبواب ونوافذ المنازل هناك، وهو ما جعل السائح يشعر كما لو أن الأشباح تحيط به من كل جانب، أو انتقل ليعيش أحداث فيلم رعب يثير حماسته، ويمنحه إحساسا بالمتعة والمغامرة.

وكما أن هناك أفلاما مرعبة لا يفضل المتلقي مشاهدتها بمفرده من فرط إتقان مخرجيها وممثليها لعب أدوارهم لدرجة الخلط بين الخيال والواقع في بعض الأحيان. هكذا حال مدينة أم الحويطات التي يتوجب أن يقدم السائح على زيارتها برفقة مجموعة حتى لو كان بعضهم لا تروق له حكايات الرعب ولا يصدقها.

وهؤلاء يمكنهم الاكتفاء بتأمل الطبيعة الخلابة للجبال وتعانقها مع البحر نهارا، والاستمتاع بحفلات الشواء أثناء الاستماع إلى حكايات الأشباح المرتبطة بها ليلا في المعسكر الذي تم إنشاؤه على بعد 7 كيلومترات من المدينة، فلا يمكن للسائح تحمل الإقامة داخلها بعد الغروب من فرط الظلام والخوف الذي يلف المكان.

وتلقى المدينة الكثير من الصعوبات التي تمنع تحولها إلى مقصد سياحي عالمي عصري، فمع روعة المناظر الطبيعية وأجواء الرعب المرتبطة بها، وأبرزها الإجراءات الروتينية التي تعوق إدخال قطار بها، مثل القطار القديم الذي أنشأه الإنجليز، ووجود معوقات بيروقراطية أمام المستثمرين.

أجواء من الإثارة
أجواء من الإثارة

 

16