مدينة الثقافة بين الأمس واليوم

هل تنجح مدينة الثقافة كفضاء جامع في تجاوز التشرذم والتشتت والشلليات؟ والإجابة للأسف "لا" كبيرة ومضاءة بألف حرقة.
الجمعة 2018/03/23
الصرح باق بقاء الثقافة والمبدعين التونسيين، والمسؤولون زائلون

غازل النظام السابق المثقفين والمبدعين بمشروع ثقافي جامع هو مدينة الثقافة، ولكن ما إن انطلقت الأشغال في هذا المشروع، حتى بدأ المثقفون والمبدعون المحسوبون على السلطة في حرب باردة لإقرار الإطارات القائمة على أعمال هذا المشروع، ما جعل المفارقة شاسعة بين الشعارات المغازلة والواقع ذي الوجه والصوت الواحد في بيئة ثقافية متنوعة.

توقف مشروع زين العابدين بن علي على بعد خطوات من إتمامه إثر اندلاع ثورة الشباب التونسي ضد النظام القمعي، وظلت مدينة الثقافة بناية مهجورة، وسط دعوات من جل المثقفين والمبدعين التونسيين إلى استئناف العمل فيها لتحقق نواة نهضة ثقافية تونسية، خاصة بما تزخر به تونس من طاقات إبداعية كبيرة ساهم جو الحرية في ظهورها وتطورها.

تحت إلحاح هذه الدعوات عادت مدينة الثقافة تحت إشراف وزارة الثقافة التونسية لتستكمل أشغال التهيئة النهائية، ولتفتتح هذه الأيام كفضاء ثقافي جامع لكل الفنون والمبدعين والمثقفين، في محاولة لخلق مرتكز ثقافي لكل ما يتعلق بالثقافة التونسية، والخروج بها من التشتّت إلى التكامل ومن الهامشية إلى التمركز، في دينامية بين المركز والهامش، فالمدينة ليست مدينة العاصمة بل مدينة كل التونسيين بكل محافظاتها على تنوعها.

التظاهرة التي اقترحتها الوزارة للافتتاح الفعلي لمدينة الثقافة، هي أيام قرطاج الشعرية في دورتها التأسيسية الأولى، والتي كانت مطمحا بدورها لكل الشعراء التونسيين، خاصة لجهة ما تشهده الساحة الشعرية التونسية من حراك تساهم مثل هذه التظاهرات في الخروج به من الفردية المنعزلة إلى الفعل والاحتكاك إضافة إلى ما تقدمه من فعاليات وجوائز ستساهم في التأسيس لمناخ شعري زاخر بالتجارب خاصة الجديدة التي ستقتحم عوالم الشعر، أب الفنون، وصوت الإنسان العميق في زمن الاضطرابات الكبرى.

قبل بداية أشغال هذه المدينة فعليا، نجد أنفسنا أمام مؤشرات تجعلنا نخشى أن ما كنا نتحدث عنه لم يكن سوى شعارات، لذا نتساءل، ما الفرق بين مدينة الثقافة التي بدأ إنجازها نظام بن علي، ومدينة الثقافة التي افتتحت بعد ثورة الحرية؟ وهل تخرج مدينة الثقافة التونسية عن التوظيف السياسي على حساب الفعل الثقافي؟

ندرك علاقة الانفصال والاتصال بين ما هو سياسي وما هو ثقافي، لكن أن يتغول السياسي قصير الأمد على الثقافي بعيد الأمد، ويجعله لعبة طيعة، فهذا أمر لا يحقق علاقة التكامل المرجوة. وهذا ما يمكن أن يحدث بالفعل في مدينة الثقافة التونسية، حيث الوزير الحالي محمد زين العابدين هو نفسه من كان مشرفا على مدينة بن علي، وهذا ما يجعلنا نتساءل عن مدى قدرته على تحقيق التغيير الحقيقي بين صورة المدينة بالأمس وصورتها اليوم. وإن أسست المدينة الثقافية لبعض المظاهر المجددة كأن يولى بعض الشباب مسؤولية بعض المؤسسات، أو يستدعي بعض الأكفاء، فإن إغراق هؤلاء بحشد من رموز السلطة السابقة يبدو مثيرا للشكوك.

من الشخصيات التي اختارها محمد زين العابدين السيدة جميلة الماجري ليوليها رئاسة أيام قرطاج الشعرية، وهذا من الخيارات غير المبشرة، فهي رئيسة اتحاد الكتاب زمن النظام السابق، وكانت تمثل ذراع النظام لتكميم أفواه المبدعين وإقصاء المعارضين وأصحاب الرأي المستقل أو المختلف، حتى أن مؤسسة اتحاد الكتاب تحولت في عهدها إلى مؤسسة ضاغطة على الكتاب لمناشدة بن علي للترشح لانتخابات عام 2014 وتزييف الحقائق والسكوت عن القمع البوليسي والواقع المزري القائم على المحسوبية والفساد، أو يتم إقصاؤهم.

وما إن بدأت البرمجة تظهر لأيام قرطاج الشعرية، أول تظاهرة تقدمها مدينة الثقافة، حتى بان بوضوح أن التظاهرة تسير وفق ذائقة مديرتها ووفق الأساليب القديمة نفسها، التي تقصي الشباب وكل صوت يحاول أن يكون حرا، طبعا هذه المرة مع تتبيل المشهد ببعض التجارب المهمة. والأدهى من ذلك حشد عدد هائل من الشعراء 240 شاعرا، للمشاركة في التظاهرة، اختير منهم 30 شاعرا للمشاركة في المركز (المدينة) والبقية أوكل للمندوبيات الجهوية حشدهم، دون رؤية أو معايير واضحة.

سؤال آخر هل تنجح مدينة الثقافة كفضاء جامع في تجاوز التشرذم والتشتت والشلليات؟ وهل تكون فعلا الصرح الجامع لكل مكونات الثقافة التونسية والفاعلين فيها على اختلافهم؟

على القائمين على مدينة الثقافة أن يستوعبوا واقع الحرية ما بعد الثورة، الحرية التي يحاربها الجميع بالتشويه والفساد والقمع المبطّن وغيرها من الأساليب. وعليها أن تملك مشروعا ثقافيا واضح المعالم، ومعايير مدروسة في التظاهرات التي تقترحها، للخروج من الارتجال إلى التأسيس الحقيقي الناجع. وإلا فإنها ستكرس انقساما كبيرا داخل صفوف المثقفين والمبدعين، في غياب المعايير التي تتم من خلالها برمجة حلول لمشكلات الثقافة التونسية للخروج بها من دائرة المناسباتية إلى الفعل اليومي، ومن دائرة المصلحة الضيقة إلى الفعل الحضاري الخلاق، وتونس تزخر بتنوع ثقافي كبير جدا، وهو ما يجب أن يعمل على تثمينه وترسيخه وتطويره القائمون على أمر المدينة، في إشراك حقيقي للمبدعين.

نعم لا يمكن إرضاء العاملين الثقافيين والكتاب والمبدعين والمثقفين، ولا يمكن حشدهم كلهم، أو التنقيب عن كل من يقول إنه مبدع أو مثقف أو غيره ودعوته، فيما هو في برج وهمي، لكن يمكن تجاوز هذا بمعايير واضحة تثبت أن وزارة الثقافة المشرفة تقف على الحياد، وأن مؤسسات مدينة الثقافة هي للجميع من الجادين والحريصين على الثقافة التونسية. وهذا ما ننتظر أن يحصل، لكن لم تظهر مقدماته بعد، بل إن الوزير استحوذ على مكتب له في المدينة، ربما في نية لتحويلها في قادم الأيام إلى وزارة للثقافة الشهيرة ببيروقراطية مكاتبها المصابة بالرطوبة. لذا يجب تدارك الأمر وتعديل مسار مدينة الثقافة بحرص شديد، فهذا الصرح يجب الاهتمام به والمساهمة في نجاحه، وأن يكون باقيا بقاء الثقافة ومبدعيها، فهو الباقي أما المسؤولون فزائلون.

15