مدينة الحسكة أسيرة المخالب العسكرية

الأربعاء 2013/10/23
مدينة الحسكة تشهد حربا أهلية طائفية من نوع خاص

تعتبر محافظة الحسكة -شمال شرقي سوريا- من المناطق التي لا تزال خاضعة لسيطرة قوات النظام السوري نظريا، على الأقل، مركز المحافظة، أي مدينة الحسكة. فلم تشهد هذه المحافظة على عكس المناطق السورية الأخرى عمليات عسكرية واسعة لقوات النظام، ولم تتعرَّض أحياؤها السكنية، حتى الآن لما تشهده بقية المحافظات من قصف وتدمير واقتحامات وحشية.

تُعرف هذه المحافظة بالسلة الغذائية لكامل سوريا ناهيك عن كونها "السلة التنوعية" الأهلية للبلاد. فهنا أكبر تواجد للأكراد السوريين والمسيحيين (السريان، الآشوريين، الكلدان والأرمن) بالإضافة إلى العرب وأبناء الطوائف الأخرى كاليزيديين.

استطاع النظام السوري اللعب جيدا على هذا التنوع من خلال أوراقه في جسم هذه التجمعات الأهلية وتمكَّن من اختراقها وبثَّ الخوف فيما بينها. وفسحَ المجال أمام تشكيل قوى عسكرية – "ميليشيات طائفية"- لكل منها. لتكون "قنابل موقوتة داخل المدينة " كما يشبهها الناشط الإعلامي من مدينة الحسكة آدم إبراهيم. والذي يتحدَّث عن صدامات عسكرية بين الحلفاء من هذه القوى، كدليل على حجم الخطر الذي يخيم على المدنيين، نتيجة الصراع بينها على بسط النفوذ في المدينة. تنتشر في مدينة الحسكة – بالإضافة إلى قوات النظام، التي يراها آدم إبراهيم "عبارة عن فِرَق متناحرة وغير خاضعة لقيادة واحدة"- كل من:

* ميليشيات المقنعين "العربية": وصل عدد المنتسبين إليها إلى الآلاف، جميعهم من أبناء الطبقة الفقيرة والشريحة الاجتماعية المعروفة بإجرامها. جرى تنظيمهم مؤخرا في مؤسسة أُطلقَ عليها اسم "جيش الدفاع الوطني"، ويعرفون بالمقنعين، بسبب القناع القماشي الأسود الذي كان يضعونه في بداية التأسيس، لإخفاء ملامحهم خوفا من عمليات الثأر.

يتَّخذ "المقنَّعون" من مبنى حزب البعث، وسط المدينة، مركزا لتجمعهم بالإضافة إلى تحويله سجنا يضم العشرات من النشطاء ومستودعا للأسلحة والذخائر.

* وحدات حماية الشعب "الكردية" المعروفة اختصارا بـ (YPG): تُعتبر هذه الوحدات من أعتى القوات العسكرية في المحافظة، تمتلك بالإضافة إلى الأسلحة الخفيفة، أسلحة متوسطة وثقيلة كالمدافع والدبابات، وهي أكثر تدريبا وانضباطا من (قوات المقنعين) بسبب خضوعها المباشر لقرارات مركزية صادرة عن قيادة عسكرية موحدة. تلقَّت هذه القيادات تدريبات عسكرية وسياسية في جبال قنديل، (المثلث الحدودي بين تركيا وإيران والعراق) والقيادات الحالية لوحدات حماية الشعب هي في غالبيتها من المحاربين القدامى في صفوف القوات العسكرية التابعة لحزب PKK المعروفين بـ (الكَريلا).

* مؤسسة الأساييش: وهي الذراع الأمنية لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD، تنصب الأساييش حواجز لها على مشارف مدينة الحسكة بالإضافة إلى مداخل الأحياء الكردية والمختلطة، (كحي المفتي والصالحية والناصرة) وكانت الأخيرة قد شهدت اشتباكات بين عناصر من الأساييش ومسلحين عرب في محاولات من الطرفين لبسط النفوذ على الحي الذي يضم عربا ومسيحيين إلى جانب الأكراد، مما أودى بحياة بعض المدنيين كان من بينهم طفل عربي.

* لجان حماية المنشآت: وهي مجموعة عسكرية صغيرة تولَّت مهمة "حماية المنشآت الحكومية والخدمية" لكنها في حقيقتها "محاولة من عشيرة عربية معينة لتأكيد نفوذها في مواجهة العشائر العربية الأخرى من جهة والأكراد من جهة ثانية" بتعبير الطالب (حاجي) الذي يسكن في حي العزيزية الخاضع فعليا لسيطرة هذه اللجان.

* كتائب من الجيش السوري الحر: أثناء دخولك لحي غويران ذي الغالبية العربية العظمى، ينتابك شعور بدخول منطقة محررة من النظام تماما على الرغم من التواجد الأمني الكثيف في الجهة الأخرى من الحي. فثمة حواجز تقيمها كتائب مسلحة تابعة للجيش الحر على مداخلها ومخارجها، ترفع عليها علم الثورة السورية وتقوم بتفتيش المارة والسيارات ناهيك عن دوريات متنقلة تقوم بها في أرجاء الحي. وعن هذه الحالة النادرة لقوة عسكرية تجاهر بمعارضتها لنظام الأسد وتخوض معارك ضد قواته في مناطق عديدة من المحافظة وريفها.

* جبهة النصرة وتنظيمات إسلامية تابعة للقاعدة: في حييْ العزيزية وغويران ترفع الرايات الإسلامية على السيارات العسكرية التي تقوم بجولات داخل الحيْيَن مع بدء حلول الليل. ويتحدث لنا ناشط من أبناء العزيزية – رفضَ الكشف عن اسمه- عن انتهاكات تقوم بها هذه الجماعات التي يصفها المصدر بـ " الإرهابية" و"صنيعة النظام".

ويضيف: "ثمة حالات وثقناها عن تنسيق بين هذه التنظيمات وعناصر النظام بالإضافة إلى المقنعين لإلقاء القبض على نشطاء الحراك الثوري في الحي".

ويذكر لنا المصدر حادثة قصف الحي بالمدافع الثقيلة على إثر اجتماع سريٍّ جرى بين الكتائب المسلحة داخله وقيادات المجلس العسكري للجيش الحر في المحافظة. مرددا بغضب: "لم تحضر قيادات هذه المجموعات الاجتماع كما أنها هدَّدت بإفشاله إن حدث دون موافقتها".

* قوى التدخل الكردية: وهي مجموعة صغيرة مؤلفة من حوالي 200 عنصر من أكراد مدينة الحسكة، يراها السيد (س) وهو من مؤسسي هذه القوة "النواة التي كانت ستؤسس لصيغة تفاهم وتعاون حقيقي بين الأكراد والجيش الحر".

على أطراف مركز المحافظة، مدينة الحسكة، ثمة جبهات قتال مشتعلة بين أغلب الفصائل التي تمتد بهدوء إلى داخل المدينة، مما ينذر بحرب شرسة يخسر فيها الجميع وتخلف حريقا يقضي على حاضناتها الشعبية قبل كل شيء. مما يجعل هذه القوات في الأحياء السكنية لمدينة الحسكة "قنابل موقوتة" بحق، ستنفجر مع أول ملامسة غير واعية من أي طرف كان.

(بالتعاون مع خدمة مؤسسة أنا ANA للإعلام الجديد)
6