مدينة الرباط شهادة حية على عظمة تاريخ المغرب

الاثنين 2014/05/12
بناية قصبة الأوداية ماتزال شامخة رغم قدم بنائها

مدينة الرباط أرض تستنشق فيها عبق الحضارة والأصالة وتشدك روعة الآثار الضخمة الشاهدة على عظمة التاريخ في كل أرجاء المدينة، وكان أهل الأثر يقولون منذ مطلع التسعينات من القرن السادس الهجري: سيكون في هذا الموضع مدينة عظيمة لخليفة عظيم، وكان الخليفة هو يعقوب المنصور الذي تمكن من تحقيق النصر وتشييد مدينة رباط الفتح تيمناً بالنصر قبيل انتقاله إلى الأندلس على رأس القوات المجاهدة في شهر جمادي الثانية 591هـ/1195 م.

ذكر رشيد الناضوري في كتابه (المغرب الكبير، القاهرة 1966) أنه في سنة ثلاث وتسعين وخمسمئة تم بناء رباط الفتح وتم تشييد سوره وركبت أبوابه، وأنها كانت مدينة عظيمة فيها قيسارية رائعة وحمام وفنادق وديار كثيرة ومياه مطردة وسقايات ومنافع، وقد نمت مدينة الرباط واتسع عمرانها وتطورت أوضاعها بعد الهجرة التي قام بها الأندلسيون غداة صدور ظهير الخليفة الموحدي الرشيد يوم 21 شعبان عام 637 هـ الذي أذن لهؤلاء المهاجرين بسكنى المدينة واستثمار الأراضي المحيطة بها.

ويعد تاشفين بن علي بن يوسف هو المؤسس الأول للقصبة التي أقيمت في موضع الرباط الذي أنشأه المرابطون على الضفة اليسرى لنهر أبي رقراق عند مصبه في المحيط الأطلسي للجهاد ضد برغواطة، وهذا الموضع هو نفسه الذي سيقيم فيه الموحدون فيما بعد مدينة عظيمة هي مدينة رباط الفتح.

وأسند عبد الكريم كريم في كتابة (رباط الفتح عاصمة المملكة المغربية، الدار البيضاء المغرب، 1999 ص9) أن المهدي بن تومرت كان أول من فكر في بناء مدينة حول القصبة المرابطية المقامة في الرباط، وأنه أمر الموحدين بذلك قائلاً لهم: “تبنون مدينة عظيمة على ساحل هذا البحر، ثم يضطرب أمركم وتنتقص عليكم البلاد حتى ما يبقى بأيديكم إلا هذه المدينة، ثم يفتح الله عليكم ويجمع كلمتكم ويعود أمركم كما كان”، ولهذا سماها الموحدون برباط الفتح. ويعد الخليفة الموحدي عبد المؤمن بن علي أول من اهتم بتنفيذ ما أوصى به المهدي بن المهدي بن تومرت، فشرع في بناء حصن ومدينة في نفس الموقع الذي يقوم عليه رباط وقصبة تاشفين بن علي، وعرف هذا الحصن وما حوله من مبان في عهده باسم “المهدية” وكان النواة الأولى لمدينة رباط الفتح التي ستتخذ شكلها النهائي في عهد حفيده الخليفة المنصور الموحدي (593 هـ/ 594 هـ).

وتعتبر قصبة الأوداية من أهم المعالم الحضارية لمدينة الرباط وهي لا تزال تحافظ على طابعها المميز، بناها عبد المؤمن بن علي على مرتفع صخري غير منتظم الشكل، بالزاوية الجنوبية لمصب وادي أبي رقراق وساحل المحيط الأطلسي، وهي محاطة بسور على طول نهر أبي رقراق تجاه البحر ونحو السهل البري، ويحتوي السور على ثلاثة أبراج تحمي مدينة الرباط من جهة البحر، وهي الصقالة قبالة القصبة وبرج الدار وبرج الصراط ويصل فيما بينها سور بحري مشيد فوق الصخر على طول ضفة الساحل.

ويمكن الدخول إلى القصبة من ثلاثة أبواب أكبرها الباب الأثري المؤدي إلى سوق الغزل والثاني هو الباب الواقع بين الباب الأول والبرج، ويبدو أنه حديث العهد يرجع تاريخه إلى العصر العلوي، بينما يقوم الباب الثالث العتيق قبالة الجهة الشمالية الشرقية للمتحف.

صومعة جامع حسان صورة لتطور فنون المعمار الموحدي

وتعرف مدينة الرباط بمدينة الروحانيات لكثرة مساجدها وضخامتها، ومن هذه المساجد جامع صومعة حسان والجامع الكبير الواقع قرب باب شالة بالسور الأندلسي، وقد تضاربت حوله الروايات فمن المؤرخين من يرى أنه من بناء أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي، في حين ينسبه بوجندار إلى عبدالحق المريني لوجود المارستان العزيزي المريني به، وسواء كان من بناء الأندلسيين الوافدين إلى المغرب في عهد الأشراف السعديين أو من بناء سيدي محمد بنعبد الله 1767 ـ 1790، فإن المدخل قد تم إصلاحه على يد مولاي سليمان عام 1229 هـ، وقد جدد في عهد السلطان الحسن الأول، وأعيد إصلاحه وترميمه وتحسينه سنة 1333 في عهد المولى يوسف.

ويعد جامع حسان من مآثر الموحدين الخالدة التي حققت وحدة الفن الشرقي والفن الأندلسي المغربي، فهو رمز لفخامة الدولة الموحدية وذوقها في التناسق الجامع بين الفخامة والبساطة، وقد شيده الأمير الموحدي يعقوب المنصور عام592 هـ / 1184م، وهو الذي شهد عصره ذروة السلطة الموحدية، ولم يتم بناؤه كلياً سوى منارته التي هي أقرب عهداً من منارة الكتبية بمراكش ومنارة جامع إشبيلية المعروف بالخيرلدة، وهي تشبه منارة الجامع الأموي في دمشق، ويبلغ عرضها ربع طولها حسب التقليد المعماري 64 متراً وهو ما يجعل من منارة حسان أعظم منارة في الغرب الإسلامي.

أما الجامع فإنه مربع المساحة تقريبًا هندسي التقسيم لتساوي سوريه الفاصلين بين صحنه الواسع، ومحرابه مربع الشكل، على خلاف المحاريب المغربية. وهو منحرف بعض الشيء عن القبلة مثل جامع القرويين. ويتألف المسجد في قسمه الشمالي من واحد وعشرين بلاطاً وسبعة أساكيب وصومعة مسجد حسان، حلقة في سلسلة صوامع المنصور بالكتبية والقصبة وإشبيلية، ولازالت زخرفتها المعمارية المتنوعة على أوجه الصومعة بعقودها وتوريقاتها تعكس فخامة الفن الموحدي.

تعرف الرباط بمدينة الروحانيات لكثرة مساجدها، ومنها جامع صومعة حسان والجامع الكبير قرب باب شالة بالسور الأندلسي

ومن الأماكن الأثرية اللافتة في مدينة الرباط؛ المارستان العزيزي الواقع قبالة الجامع الكبير وهو من بناء السلطان المريني أبي فارس وقد كان في الأصل مدرسة ثم حُول إلى مارستان ثم نظارة أحباس، وقد أضيفت إليه تجديدات حديثة.

كما يوجد اليوم في الرباط العديد من الحمامات الأندلسية وأشهرها الحمام الجديد بالحي المعروف بتحت الحمام، وهو من مآثر أبي عنان المريني كما تشهد بذلك اللوحة الموجودة بصحن الجامع الكبير والتي تحمل تاريخ 755هـ وتشير إلى أن ريع هذا الحمام ينفق على ضريح السلطان أبي الحسن المريني وعلى إطعام المرابطين بشالة.

12