مدينة العجائب.. شاعر عربي في نيويورك

لمَ لا أكتب عن سامية حلبي التي التقيتها في مرسمها وهو في الوقت نفسه بيتها. فالمرأة التي كتبت عنها منذ سنوات هي جزء فالت من تاريخ هذه المدينة التي لا تزال تقيم في ذلك العواء.
الأحد 2019/06/16
جدارية نيويوركية وعربات مرسومة وأخرى حقيقية

لو لم يرسمها لكان هناك شيء ناقص في الرسم العالمي الحديث. استغرق أرشيل غوركي في رسم صورة أمه عشر سنوات (1926 ـــ 1936). إنها ليست لوحة كبيرة ولا معقدة من جهة ما تحتويه من تفاصيل وليس هناك من جهد تقني خارق فيها. غير أن ما تنطوي عليه تلك اللوحة (رأيتها معروضة في متحف ويتني) من مزيج هائل من المشاعر يجعلنا نفهم سر ذلك الزمن الطويل الذي استغرقته عملية خلقها. عام 1919 توفيت أمه وفي العام التالي وصل غوركي إلى أميركا. الأرمني الذي لم يعش طويلا (1904 ــ 1948) كان مغلقا على حزنه الشخصي مثل صندوق أسود.

كان السؤال المحيّر الذي رافقه هو «كيف يمكن أن نرسم الحزن خفيفا من غير أن نستعمل الرسم للتعبير عنه بطريقة إيضاحية؟». لم يستسلم غوركي لدموعه لأنه كان يريد لعينيه أن تظلا مفتوحتين على سعتهما على ماضي حياته القادم من مستقبل الرسم. أنقذته التعبيرية الأميركية من الشجن الواقعي فرسم الصورة التي تجمعه بأمه كما لو أنه كان يحلم. صورة يتمنى كل إنسان يراها أن يحل محل غوركي لتكون أمه حاضرة مثل خزان عاطفة لا تنفد. لقد تغير أسلوب غوركي في الرسم بعد تلك اللوحة فصار جزءا من التجريدية التعبيرية وتغيرت أساليب الرسامين الأميركيين الذين تهيأت لهم فرصة الانتشار حول العالم، غير أن قيمة تلك اللوحة لم تتغير بل ظلت في صعود مستمر.

حين رأيتها من بعيد سعدت لأني وجدت أخيرا ما يهب زيارتي لمتحف ويتني في مبناه الجديد معنى كنت قد فقدته بسبب رسوم إدوارد هوبير المملة بالنسبة إليّ. «هو ذا الكنز» كدت أن أصرخ. تجربة الوقوف أمام تلك اللوحة تشعر المرء بسعادة مَن يعثر على كنز فجأة ومن غير مقدمات. صدمة عاطفية تضربه بهدوء غير أنها لا تترك جزءا من جسده بعيدا عن تأثيرها. في حضرة أم غوركي يستعيد المرء أمه. 

2017/10/06 «في مقهى الطابق الأرضي بمتحف ويتني» 

ملاحظة

 لا تزال رائحة حي الجزارين عالقة بالمكان. لقد بني متحف ويتني الجديد على أنقاض ذلك الحي. أن يكون هناك دم فكرة ملهمة بالنسبة إلى الفن الأميركي. علاقة يمكن رؤيتها صريحة في أعمال روبرت راوشنبرغ.

مفتاح البيت

دليست آنية زهور

إنها يدي وقد تركتها على المنضدة في انتظار يدك

 خطوتي التي ألقيتها

هي قدمي التي نسيتها على الرصيف

في وقت سابق من حلمي

سلمتني العاصفة مفتاح البيت.

بوذي في الشارع

 من حولنا كاتدرائيات العصر الحديث

والوقت أعمى

 الحقيقة نفسها تجدها على الجدران الخشنة والملساء
 الحقيقة نفسها تجدها على الجدران الخشنة والملساء

مطر خفيف على المناضد

مطر في الشجرة

في المسافة بين ورقتين

تتكرر الصورة، لا تزال كتبها المدرسية تطير تحت أهدابي

والليل أزرق

لن تظهر البقرة في منعطف الشارع

جرسها وحده يرنّ في قلبي

ريفي في منهاتن مثل حصاة في حلوى

بدلا من مارلين

رأيت في شارع برودوي بوذيا أنيقا يتسول

في الشارع 14 سوق للفلاحين القادمين من الماضي

كان النهار يضع ساقا على ساق ويتسلّى بعدّ أصابع قدميه

حجر صغير التقطه لأترك عليه بصمة أصبع تذكر بي

أدفنه مثل قطة ميتة سيرافقني مواؤها إلى السرير.

«الغزالة التي تحمل زهرة الأزل في حلقها»

الفتي الذي يضرب على الطبل مثل ساحر أفريقي. ذلك الفتي الذي يمضي مثل سهم لا ظل له كاد يصدمني قبل أن يتوقف ناظرا إليّ بعينين فارغتين. ابتعدت عن طريقه فمضى من غير أن يقول كلمة. حينها قررت أن أتبعه لا لأفهم شيئا عنه بل لأنظر إليه وهو يغير طريقته في الضرب على الطبل. حالما بجملة موسيقية أخرى مشيت وراءه وهو ما لم يتحقق بعد كيلومتر. حين جلس الفتى على سياج حجري جلست إلى جانبه فالتفت إليّ فيما استمرت يداه تضربان على جهتي الطبل بالإيقاع نفسه وقال «هل رأيت الغزالة؟» قلت «لا» ابتسم بحزن وقال «وأنا كذلك» غادرني مطمئنا. لن أتبعه. 

الغزالة تطل برأسها في قطار الأنفاق، بين ركبتين ناعمتين.

الغزالة التي عبرت بحر الظلمات وحيدة على قارب خشبي.

الغزالة ذرفتني مثل دمعة بعد أن نمتُ في عينيها.

أقف وحيدا في انتظارها على رصيف لا ينتظر فيه أحد أحدا.

2010/10/06  في مقهى فرنسي بالشارع 14

فاصلة موسيقى

هنا جلس غنسبرغ وكتب عواءه. كان هناك رجل يطعم سنجابا. كما لو أنهما كانا صديقين منذ الأزل أو أن أحدهما خُلق من أجل الآخر. يقف السنجاب على السياج فيمدّ الرجل له يده بقطعة طعام. يلتهمها السنجاب مرحا. مشهد يتكرر وقد يكون غنسبرغ قد رآه وهو يكتب عواءه. السنجاب هو بطل المشهد. يطل جورج واشنطن من تمثاله. روحه البيضاء لا تظهر على الأوراق النقدية مثلما تظهر في حديقته. جلست على مصطبة وأنا أفكر بالمرأة السوداء التي جلستُ إلى جانبها في قطار الأنفاق. كانت توني مريسون بالتأكيد. صاحبة نشيد سليمان الحائزة على جائزة نوبل للآداب. فعلت ما كان يفعله السنجاب. لم أنظر إلا إلى يدها. مريسون هي يدها التي تكتب. يدها التي تحلم. يدها التي ضجت بالغرام. لا شيء يأتي متأخرا. لو أني قدمت إلى نيويورك قبل ثلاثين سنة لما التقيت مريسون. المربية الشبقة والريفية الحسناء.      

غنسبرغ كتب بلعابه فيما كتبت مريسون بأعصابها. الحقيقة نفسها تجدها على الجدران الخشنة والملساء. لا أحد يمكنه أن يمشي على سلّم الجملة نفسها أكثر من دقيقة. سيصل القطار لتُلقى من نوافذه مئات السلالم.

في حديقة واشنطن تبدو السماء مطرزة بالنجوم الأميركية في وضح النهار. زرقة حملها القراصنة من بلاد بعيدة إلى مائدة جنود بترت الحروب أطرافهم السفلى. يضحك ابن الخياط وهو هنري ميلر ويقول لي «حتى الزرقة تكذب فهي ليست من السماء».

أجلس على الأرض في ظل شجرة وأتناول طعامي مكتفيا بالنظر إلى قدميّ. كم هو عدد الكيلومترات التي مشيتها لكي أصل إلى البقعة التي ألهمت العالم عواءه؟ في الجانب الآخر من الشجرة العتيقة هناك عاشقان أضاعا الطريق إلى جسديهما فصارا يمشيان مغمضي العيون كما لو أن الرائحة كانت تكفي. وهو ما سلمني إلى النوم لأحلم.

هل رأيت ملاكا بقناع ضفدع ضاحك؟    

إنها الجملة التي تجمع القيامة بثغاء الخراف.

أما سقطت بك الطائرة وهبطت بمظلة إلى جزيرة لا تعرف اسمها؟

إنها الغيمة التي حملتني قبل أن أغمض عيني.

ألا تزال تكلم نفسك كما لو كنتَ حيا؟

إنها فكرتي عن الخلود باعتباره مساحة للكلام

لقد تسلل إليّ عواء غنسبرغ فصرت أهذي.

لمَ لا أكتب عن سامية حلبي التي التقيتها في مرسمها وهو في الوقت نفسه بيتها. فالمرأة التي كتبت عنها منذ سنوات هي جزء فالت من تاريخ هذه المدينة التي لا تزال تقيم في ذلك العواء.

الحرية والسعادة

عليك أن تتسلق سلّما طويلا لتصل إليها من غير أن تلهث. تصل إلى وجهها المتأمل، المبتسم والصافي، إلى شعرها القطني الذي لا يتوقف عند ساعة بعينها، إلى يدها التي تروي الحكايات بلغة صامتة، إلى رسومها التي تطوي الزمن مثل صفحة كتاب لتصل إلى الأبد. هناك حيث يبدو الكون أقرب إلى حقيقته الدائرية. يفاجئني في بيتها وهو مرسمها سقف عال بمروحة بثلاث ريش وهي ذكرى محتها السقوف العصرية المنخفضة وهناك منضدة من حولها كراس لضيوفها المتوقعين وكنا ثلاثة. كتب ولوحات تنتمي إلى مراحلها الأسلوبية المتأخرة.

هنا أعدت جلستنا وكانت في انتظارنا، قريبا من الباب كانت تقف سيدة الرسم وسيدة البيت معا. لم أكن أرغب في أن أسألها عن عالمها الفني وعن تاريخها الشخصي. لا لأني أعرفها وهو ما لا أدعيه بل لأنني لم أكن أرغب إلا في النظر إليها وهي تقدم رسومها بثقة العارف الذي يقول ما يريد قوله. المقدسية سامية حلبي (1936) هي واحدة من قلة من الرسامين العرب الذين يعرفون ماذا يفعلون. لذلك كان غرض زيارتي إليها بصريا وليس معرفيا. رغبت في رؤيتها شخصيا ورؤية رسومها بشكل مباشر. فالفلسطينية التي أقامت في منهاتن بنيويورك أكثر من أربعين سنة يمكنها أن تكون ساحرة في كل جملة تقولها. كل جملها تشبهها وقريبة من أسلوبها في الرسم، مقتضبة ومشذبة وبعيدة عن الكلام الجاهز. فالفنانة هي ابنة خبرة صنعها الألم الفلسطيني الذي لا يقبل الكثير من الهذر.

جانب من جسر بروكلن في نيويورك
جانب من جسر بروكلن في نيويورك

ما كان يهمني حقا في ذلك اللقاء الأول على الأقل أن أستمع إلى عدد من الجمل التي تتعلق بخلاصة تجربتها الجمالية وهو ما كانت عميقة ومقتضبة فيه، فكلماتها لا تخون طريقتها في التفكير، وهي طريقة عملية تسمي الأشياء بأسمائها من غير مواربة. ولأني لم أكن قد رأيت رسومها مباشرة من قبل، رأيت صورا لتلك الرسوم، فقد تمكنت مني رسومها الأصلية وأُخذت بها بل وسحرتني. أولا لأنني اكتشفت أن تلك الرسامة تفعل ما يفعله الرسامون الكبار حين يستلهمون التجريد من الطبيعة كما هو حال بيت موندريان وفكتور باسمور، وثانيا لأنها تثق بالفكرة التي تعيد التجريد إلى أصول عالمية مختلفة منها أصوله العربية.

 وهو ما يعني وفق تلك الفكرة أن التجربة الأوروبية هي واحدة من تلك الأصول المتعددة وليست الأصل الوحيد. «تجريد» وكالعادة يبدو استعمال ذلك المصطلح المدرسي اختزالا ينطوي على الكثير من البلاهة والرخص والاستسهال. فعن أيّ تجريد نتحدث حين يتعلق الأمر برسوم حلبي؟ إنها امرأة حرة وسعيدة. لذلك كانت رسومها خلاصة لتجربة مزدوجة قوامها الحرية والسعادة. فإن كانت تبدو في رسومها كمَن يلعب فإن التمعن في النظر إلى تلك الرسوم لا بد أن يقود إلى النظام الإيقاعي المعقد الذي تستند عليه. حين ترسم حلبي فإنها تؤلف قطعا موسيقية تقوم على معادلات رياضية لا تقبل الخطأ. معادلات في إمكانها أن تضمن الوصول إلى نتائج جمالية تقع ضمن نظرية الاحتمالات المفتوحة. وهنا بالضبط يكمن سر الجاذبية التي تتميز بها الفوضى البصرية المنضبطة التي تقترحها رسوم حلبي.

ما تطرحه الفنانة الفلسطينية التي سبق لها أن درست الفن في العديد من الجامعات الأميركية من أفكار هو تجسيد لنظريتها الجمالية التي تزاوج بين فهم الطبيعة باعتبارها مصدرا روحيا للجمال وبين مزاج بشري لا يقبل التعريف إلا في لحظة انفعاله. وهو بالضبط ما تنطوي عليه رسومها التي تغلب المتعة البصرية على القواعد التقنية الصارمة التي تقف مثل حارس خفي.            

مع سامية حلبي يشعر المرء بالفخر. في نيويورك، المدينة التي هي أشبه بقارة هناك فنانة عربية نجحت في أن تكون جزءا من المشهد الفني في أرقى مستوياته.

حديث مع رسام في نيويورك بعد سقوط الأبراج

 «نهايتك أنت

مَن يختارها» قال الرسام

«انظر إلى هذه المدينة، يشترون الموت بخسا،

في كل دقيقة ويبيعونه في البورصة بأعلى الأسعار».

كان واقفا على حافة المتاهة

التي تنعكف نازلة على سلاسل مصعد، واسع للحمولة

سُفلا بإثني عشر طابقا إلى مرآب العمارة

«إنها معنا. الكلبة.

سمها الأبدية أو سمها نداء الحتف.

لكل شيء حد، إن تجاوزته انطلقت عاصفة الأخطاء

إنها حاشية على صفحة الحاضر

خطواتها مهيأة لتبقى

حفرا واضحا في الحجر

أرى إصبع رودان في كل هذا

أراه واقفا في بوابة الجحيم يشير إليّ

هوة ستنطلق منها وحوش المستقبل،

هناك حيث انهار برجان وجُنّت أميركا.

سركون بولص

هنا جلس غنسبرغ وكتب عواءه. كان هناك رجل يطعم سنجابا. كما لو أنهما كانا صديقين منذ الأزل أو أن أحدهما خُلق من أجل الآخر. يقف السنجاب على السياج فيمدّ الرجل له يده بقطعة طعام. يلتهمها السنجاب مرحا. مشهد يتكرر وقد يكون غنسبرغ قد رآه وهو يكتب عواءه
هنا جلس غنسبرغ وكتب عواءه. كان هناك رجل يطعم سنجابا. كما لو أنهما كانا صديقين منذ الأزل أو أن أحدهما خُلق من أجل الآخر. يقف السنجاب على السياج فيمدّ الرجل له يده بقطعة طعام. يلتهمها السنجاب مرحا. مشهد يتكرر وقد يكون غنسبرغ قد رآه وهو يكتب عواءه

«أميركا تحبني وأنا أحب أميركا»

 كتب فرانس كافكا روايته «أميركا» من غير أن يزور العالم الجديد. بلد خيالي لن تخونه كتابة خيالية. رؤية نيويورك من بعيد أفضل من المشي بين جاداتها العريضة. المشهد الذي يبدو على شيء من التعقيد هو أكثر شاعرية من الغوص في تفاصيله. رؤية الغابة أجمل من التيه بين دروبها. نيويورك غابة. إن رأيتها من على جسر بروكلين تبدو كما لو أنها نحتت من صخرة واحدة. زهرة بحجم كوكب. هي المجاز الذي يعبّر عن رغبة الهاربين من أوروبا في أن يكونوا بشرا من نوع آخر.

 ضربة طبل تنذر بولادة عالم لم تنبعث عناصره من الأرض القديمة. هنا الأرض غير الأرض. استعار الأميركيون الجدد كل شيء من مساكنهم العتيقة غير أنهم منحوها بريقا يومض بمعجزتهم. كل شيء خارق.

تحتاج نيويورك إلى أن تُرى من فوق لكي تكون موجودة كما هي. أما النظر من أسفلها فهو من اختصاص حشرات خائفة. المسافة بين الإنسان والحشرة تكاد تُطوى مثلما هي المسافة التي تفصل بين الإنسان والحيوان في أماكن أخرى. تظل الحشرة من أرقى الكائنات وأكثرها تعقيدا. ألم تتم الإشارة إلى البعوضة في القرآن الكريم باعتبارها معجزة؟

عام 1974 قدم الألماني جوزيف بويز عرضه «أنا أحب أميركا. أميركا تحبني» في صالة رونيه بلوك بنيويورك. حوّل بويز قاعة العرض إلى قفص يجمعه بذئب خمسة أيام. بويز الذي يكره أميركا بسبب حرب فيتنام كان يحمي جسده من الذئب بغطاء من اللباد.

يكفي كل ذلك الشعور بالخطر لكي تكون أميركا موجودة. مزيج من مشاعر الخوف والغضب والاشمئزاز والتحدي والتعاطف والغربة والاحتجاج هو ما ينتهي إليه المتلقي وهو يرى بأنفاس متقطعة ذلك العرض الجريء. لا يشكل الأمر مشكلة بالنسبة إلى مدينة نيويورك فهي لن تتآكل مثل فاكهة متعفنة كما يُخيل لمَن لم يرها. ذلك النوع من العروض الحية يكسب المدينة حياة هي الأقرب إليها. تعيش نيويورك على النقائض. ليس الـ»هارموني» عادة نيويوركية.

«هبني شوكة عملاقة لأبقر بها بطن العالم»

«هبني قلما لألطخ بحبره وجه العالم»

هبني بقرة ضاحكة لأسخر من الحليب الفرنسي».  

إمبراطور من غير جسم

ثيابه على الناصية وعينه مفتوحة مثل فوهة بندقية.

نظرته لا تقع على شيء بعينه، يضرب طائرها بجناحي مزاجه قبعات النساء.

النساء الجميلات، الأنيقات، النضرات، اللدنات، النافرات لا يشكلن بالنسبة إلى الإمبراطور ذريعة للنظر أو فكرة عن الجمال. عينه مفتوحة على أبد لا يُقيم فيه أحد. إنه لا يرى أو أنه يرى المكان الذي لا يقيم فيه أحد.

لا يحتاج إلى أن يرى ما دام لا يرغب في أن يكون متلصصا. ذلك لأن لا أحد يراه وهو يسعى إلى الوصول إلى ثيابه التي لم يمسّها أحد.

بينه وبين تلك الثياب حقائب وقطارات ومسافرون ومحطات وأنهار ومكتبات وسواحل وشقق وآبار ماء ونفط وخنادق وأسواق وأطباء وأبواق وحانات وفواكه ومزامير وكهنة وأسماك مشوية وطباخون وأمراء وراقصات وحواة وأفاع وقطط وخلاسيون وقلاع ومنزل أصفر وتاهيتي وغداء على العشب ويمّه القمر على الباب وليلى ذات القبعة الحمراء والأربعون حرامي وملوية سامراء وخاتم الملك سليمان وبلقيس التي كشفت عن ساقيها وأصحاب الكهف وهو واحد منهم وكان قد حمل أوراقهم النقدية إلى السوق. لقد وهبني غمزة من عينيه ففهمت أن ما رأيته لن يتكرر فهو كائن يُرى مرة واحدة في العمر. هو المهدي بأصابع موشومة بالحناء. وهو الخضر الذي نسي كراسته في سوق العاديات وصار يأمل في الحصول على دفتر أبيض مثل قلبه. حين خلت الطريق من السابلة اقترب مني غزاله وقال «لقد صدتني فاحملني إلى البيت» التفت إليه فلم أره. أبصرته في عيني غزاله وهو يصلي فكدت أبكي.

مطر في نيويورك

«هل أنت يهودي؟»

«لا»

«إذا طاب نهارك».

في شرق منهاتن، بعد متحف غوغنهايم بعشرات الأمتار رأيته واقفا بخضوع. عرفت أنه يهودي. ملابسه السوداء وقبعته تقولان ذلك. سليمون كان هو الآخر يهوديا وترك متحفا هو واحد من أعظم مباني نيويورك، صممه فرانك لويد رايت. بنى رايت زقورة مقلوبة فانتهى إلى فلسفة الشكل الحلزوني. يطيب للبعض أن يرى ذلك المبنى باعتباره ملوية سامراء مقلوبة. لقد اجترح سليمون معجزة لا تزال تواجه سنترال بارك بجمال الفن المجاور. الجمال الذي هو من صنع البشر. وصنع رايت فكرة معمارية يشعر المرء أمامها كما لو أنه يمشي على سور صين جديد. لن يهتم الكثيرون بالمقتنيات الفنية العظيمة التي يضمها المتحف. فالبناية نفسها رائعة فنية تستحق تجربة المرور بها أن ينظر إليها المرء بسعادة.

 «ولكنني يهودي بطريقة مختلفة»

«ماذا تقصد؟»

«أنا مسلم. الإسلام يكمل اليهودية»

«اليهودية لا ينقصها شيء. هي الدين الكامل».

 إنه نهار ممطر في نيويورك. لا يمكنني أن أتخيل أن كل يهودي هو سليمون. في متحف غوغنهايم رأيت عددا من اللوحات كانت فريدة من نوعها. لوحات من سيزان وبراك وبيكاسو وهنري روسو ومانيه ومونيه وتولوز لوتريك وديغا وكلها تعود إلى فجر القرن العشرين.

لو أن سليمون كان حيا لأنقذ ذلك الشاب اليهودي من عجمته الدينية.

كان هناك مطر في نيويورك.

ولكنه مطر خفيف يمكن المشي تحته من غير مظلة. ولكن ما معنى المشي في نيويورك؟ يوم لكل شارع. شارع لكل سنة والحياة قصيرة. سيكون على المرء أن يضيع عمره في سنترال بارك. متحف غوغنهايم صغير في مساحته. غير أن أثره البصري يثقل المرء بعاطفة عاصفة. إنه هرم العصر الحديث. الكثير من الغموض يجلب الكثير من الرضا. في مدينة شاسعة مثل نيويورك لا يثقل المرء ضميره بضرورة الفهم الذي قد يكون نوعا من الغباء.

معبد الروح

جدارية في هارلم تجسد مالكوم إكس يقرا في جريدة
جدارية في هارلم تجسد مالكوم إكس يقرا في جريدة

لن أتركه بيسر. فكرته تسكنني وهي روح المدينة العالمية. مبنى متحف غوغنهايم هو عمل فني. المبنى نفسه من غير متحف ومن غير غيغي سالمون وماكس أرنست والسرياليين الفرنسيين و»بابا السريالية» أندريه بريتون ورماد أفكارهم وفقاعات فكاهاتهم السوداء. فرانك لويت رايت الذي ترك له أثرا عظيما في بغداد ممثلا بمبنى وزارة التخطيط الأحمر الواقع على نهر دجلة من جهة كرادة مريم وجد فرصته لتنفيذ مبنى مستلهما كما قيل عمارة مئذنة سامراء الملوية مقلوبة في نيويورك. اللعبة المعمارية تعصف بك من الخارج غير أن ما يحدث لك في الداخل هو العصف الأكبر. تتسلق السلّم الدائري العريض لترى روحك تسبقك إلى مقر الآلهة. لا غنى هنا عن التفكير في «المتوكل» ومهندسه المعماري سنان.

 كان سنان مسيحي الديانة. سامراء حيث يقع ذلك الصرح المعماري العظيم في حرب. عليك أن تنسى سامراء وإلا ستصاب بالإحباط. بنيت المئذنة عام 852 فيما انتهى وايت من صرحه عام 1952. ما كان رايت متأكدا منه أن يستعيد من خلال غوغنهايم عاطفة العراقيين القدامي وهم يتسلقون سلالم الزقورات في أور والوركاء وعقرقوف. لم يكن بعيدا عن التفكير في برج بابل. ذلك الصرح الحقيقي بما لا يتسع له الواقع. نيويورك هي برج بابل المعاصر، هناك حيث تمتزج الألسن يحل الهذيان محل اللغة. لعبة رايت تقوم على النظر إلى الآلهة من فوق. كنت واقفا في السماء فيما كانت الآلهة تقف هادئة على الأرض. لم يكن الأمر مريحا وإن كان مدهشا.

 تبدو العبادة في وضع كذلك فعلا مستحيلا. يسقط دعائي كما لو أنه يذهب إلى قاع بئر. هناك الوادي المقدس وحشود من الضائعين بين دروب متاهته. لم يقلب رايت المعادلة المعمارية وحدها بل قلب أيضا معادلة العبادة. هناك ما يتغير في العادات. زائر متحف غوغنهايم لن يبحث عن الأعمال الفنية. يلتقيها صدفة فتغمره سعادة مضافة. سعادته الحقيقية تنبعث من استغراقه في التماهي الحسي مع المبنى. تجربة تشترك كل الحواس في تأليفها. يصعد المرء ليكتشف بعد أن تنقطع أنفاسه أنه قد أخطأ الاتجاه. تقر قدماه بأنه كان يصعد فيما تعترف عيناه بيأس أنه كان يهبط.

كان هناك مطر في الخارج. سنترال بارك ليس بعيدا. سامراء بعيدة. سماؤها تكتظ بمطر من رصاص. اطمئنوا لا يزال المؤذّن نائما. لم يصل الرصاص إلى المئذنة. ولكن الجامع الكبير لم يشهد صلاة جماعة منذ زمن بعيد. أضحك من فكرة سقوطي عموديا إلى حيث تقيم الآلهة. في طفولتي ارتقيت سلالم الملوية وكنت قد قررت أن أحصي عدد درجاتها غير أنني أخطأت العد. لم يكن في إمكاني أن أعود إلى الأسفل. لقد خسرت الرهان وبسبب شعوري المهين بالخسارة خسرت الفرصة في تأمل السهوب التي كان سنان قد وضعها بين يدي. في غوغنهايم قررت أن لا أرتكب الخطأ نفسه.

 لم أتبع خطواتي بل كانت قدماي تتبعاني. النظر أولا. أنا طائر. سأخلص لفكرة رايت عن المكان الذي يلحق كائناته بالطيور. نحن نطير. في سامراء تطير الناس إلى السماء لكن بطريقة مختلفة. الأرواح وحدها هناك تطير فيما الأجساد تحترق. أظن أن هذا المتحف وهو معبد الروح يهب الجسد تكريما خالصا حين يعلو به على الآلهة. الإنسان هو لقية رايت المقدسة. الإنسان هو روحه. من غيره لا قيمة لتلك الروح. فلا معنى لتحليق الروح حين يحترق الجسد. أتابع دمعتي وهي تهبط. في الأسفل تقيم بلادي. ليست الفلوجة سوى تفصيل صغير. لقد سقط مطر رمادي على تلك المدينة فاحت منه رائحة البصل. كانت المدينة مختبرا لتجريب واحدة من أحدث القنابل النووية. فكرت في التوابل. هندي أنا. لا ينقصني سوى أن أضع أفعى في سلة وأدور بها في الطرقات.

امش أيها الكلب. إني أتبعك

إلى الحانة أيها الرفاق. لا يزال هناك يساريون.

إلى الطريق لا يزال هناك كتّاب خلاسيون.

إلى المنفى لا تزال هناك منازل دافئة.

يضحك الكلب لأنه الوحيد الذي يشم رائحة الفضيحة.

أنجيلا ديفيس وهي رمز التمرد الستيني (نسبة إلى القرن العشرين) ليست سوى معلمة في الجامعة. لو لم يتم اغتياله لكان مارتن لوثر كينغ ثالثنا في الحانة. ديفيس وكينغ وأنا. فيما يقف الكلب خارج الحانة في انتظارنا. الكلب الذي كان دليلي إلى الحانة سيقودني إلى محطة لافاييت ستريت في سوهو.    

أنفخ الهواء كما لو أن هناك ديكا في صدري

أيها القلب عليك أن تنظم الدورة الدموية بطريقة مختلفة. يحتاج المرء إلى دماء أكثر تذهب إلى القدمين. لا أحد يمكنه أن يتكهن بماذا تفكر القدمان وهما تتبعان خطى كلب وهمي. الخرائط على الأرض غير الخرائط على الورق. ما تكتشفه القدمان لن يكون سوى حبر سائل على الورق. للغبار على الأرصفة حكاياته الموجعة. ولكن الغبار يعمي وأنا في حاجة إلى أن أرى. يحتاج المرء في هذه المدينة إلى أكثر من عينين وأكثر من قدمين وأنف لا يشمّ وأذن بمصفاة. يتكلم الجميع كما لو أنهم حرموا قرونا من الكلام. لن يكرهك أحد على الإنصات.

لن يلحق بك أحد إذا ما قررت عدم الوقوف لكي تستمع إلى خطيب قلب برميلا ووقف فوقه وصار يطلق هذياناته في الهواء. كان النهار مشمسا بهواء عذب. سيقان النساء رقيقة وهو سبب عظيم للمشي. ولكن أين اختفى ذلك الكلب الذي كنت أتبعه؟ في الليلة الماضية رأيته في حلمي وهو يتبع قطة تتبع ظلها الذي كان يكبر ويصغر أمام عينيها من غير أن تملك سببا لذلك. حين رأى الكلب دراجة مركونة إلى جانب باب عمارة سحبها وقادها بعيدا فيما اختفت القطة وظلها. كلب يقود دراجة. لم يكن المشهد مثيرا بالنسبة إلى العابرين. امرأة تحمل سلة أوقفته لتسأله عن مكان السوق. لم ينبح الكلب خشية أن يخيفها. أسرعت إلى المرأة من أجل تلافي الحرج الذي وقع فيه الكلب. حين اهتدت المرأة إلى المكان الذي تبحث عنه كان الكلب قد اختفى. يمكنك في نيويورك أن تسأل عن كلب يقود دراجة. ما من شيء يدعو إلى الاستغراب في هذه المدينة.

الجمال ثري

تلك الجنات المفتوحة على ترف لا يقع على الأرض إلا محمولا على زرقة.

تلك الجنات التي تهب عواصفها من ضحكة طفل ونعومة ساقين وشهقة شاعر.

تلك الجنات، تمشي بجوقات غزلانها على رنين أجراس الخراف الضائعة.

تلك الجنات، آبارها تغص بالتنهدات التي تتسلق أشجارا تصل نهاياتها إلى الغيوم.

ليس لخطوات قدميّ ظل. هناك نافذة مفتوحة تطلق قبلة فتاة نائمة.

ينشر النص بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

13