مدينة النوارس

الثلاثاء 2014/02/18

ما إن يصل الزائر إلى مدينة الصويرة المغربية على سواحل المحيط الأطلسي، حتى تستقبله النوارس الجريئة وغير العدوانية.. ترفرف هذه الطيور البيضاء والرماديةعلى علو منخفض على الشاطئ وتعبر فوق الرؤوس. وهو مشهد يعرفه أهل الخليج ويألفونه، مع فارق أن نوارس الصويرة تنتقل من الشاطئ إلى داخل المدينة وأسواقها. لا تطير هناك لكنها تتدرج في التوقف ثم المشي الحذر ليس بعيدا عن أقدام المارة، وقد تحِفّ بها حمامة وقطة وجرو صغير. ولا تلبث أن تطير وهي تصدح بأصواتها ونداءاتها “المموسقة”.

المدن التي تتصالح مع الكائنات غير البشرية تتصالح مع إنسانها، بينما المدن التي تطرد الكائنات الأخرى وتقصيها عن فضائها ومجالها، هي في الغالب تطرد إنسانها وتورثه الخواء الروحي والفقرالجمالي.

أن يقيم الإنسان ألفة مع الكائنات الأخرى من حيوانات وطيور وحشرات ومن أشجار ونباتات، فذلك ما يحقق توازنا طبيعيا وحيويا يهب الحياة بعضا من معنى وحدة الوجود.

ويتصادق أهل الريف مع الطبيعة وكائناتها، لكنهم ما إن ينقلوا إلى الإقامة في المدن حتى تنقطع صلتهم بالطبيعة، ويحتسبون ذلك ضربا من التمدن، فيستعيضون عن الاستئناس بالأشجار بوضع لوحات تجارية مرسومة بألوان فاقعة لأشجار متخيلة تتوّجها شمس برتقالية في صالونات بيوتهم، وينشأ الأطفال الأشقياء على العبث بتكسير أغصان الشجر على الأرصفة وركل القطط البائسة، وقذف الطيور بالحجارة. وللأسف فإنه منظر معهود أن يلحظ الرائي في شوارع مدن عربية قططا ملتصقة بالإسفلت وقد صرعها سائقون عمي البصيرة، ولا يعتبر ذلك من قبيل المخالفة المرورية، لكنه يفسر السلبية وحتى العدائية المجانية بين البشر وخاصة السائقين منهم فمن يستضعف الكائنات الأخرى ولا يعبأ بسلب حياتها، لن يتوانى عن محاولة استضعاف نظرائه من البشر ما استطاع إلى ذلك سبيلا..

لطالما قرأ القارئ تعليقات في صحف عربية يتهكم كاتبوها على الرفق بالحيوان، بداعي أن الرفق بالإنسان هو الأدعى للاهتمام. وخبرة الحياة تدل على أن من لا يرفق بكائن ما، لن يرفق بكائن آخر. ومن حسن الطالع أن يصادف المرء بقعة أو رقعة ما، تأتلف فيها الكائنات وتتصادق كما في الصويرة المغربية.

24